درنة.. خيارات وطن

في ذاكرة طفولتي وصِبايَ هي شارع الفنار حيث مدرسة النور ودارنس، ونخلتان باسقتان وسط الطريق كانتا مَعْـلَماً للشارع وللجمال وحبِّ الحياة. وهي البْلادْ، أين سكنُ الجدّيْن، وسوقُ الخضرة حيث الماء يدفق عند مدخله، والبياصة الحمرا في نهايته، وسوق الخرّازة، وسوق الظلام، والجامع العتيق، وبياصة البلدية، وفندق الجبل، والزهراء. وهي سواني الجبيْلة بفرشِها الأخضر وسواقيها؛ عَـبْرها كان الطريق من بوعزّة إلى مدرسة عزوز والأستاذ محمد والأستاذ عبد الحميد.

الماء فيها عيونٌ وشلالٌ ووادٍ، وسَوَاقٍ اخترقت شوارعها وبساتينهاوحتى بعضاً من منازلها. درنة هي السواني والموز والرمان والورد والياسمين وهواءٌ مُشْبعٌ بعبق الزهور. ماء الشرب فيها ممزوجٌ بماء الزهر، والشاي بالورد وزهْر الليمون. سِحرُها كان حُضنَ إبداعٍ وخيالٍ وإتقانٍ ولِين. في رُباها “الجلالُ والجمالُ والسَّناءُ والبهاء”، وفي هواها “الحياةُ والنّجاةُ والهناءُ والرّجاءُ”. ما تزال صورها تلك عالقةً بذاكرة جيلٍ، منه مَن رحل ومنه مَن أوشك على الرحيل.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

اتفاق باريس وتحدّيات تنفيذه

 

 المشاركون الليبيون في اجتماع باريس لهم قاعدةٌ تعوِّل عليهم وجمهور؛ ولهم دوافعُ وأهدافٌ وهواجس، بعضها وطنيٌّ وبعضها الآخر نابعٌ من انتماءاتهم ومصالحهم الخاصة. وما كان لهم أن يلتقوا لولا ضغوط دولٍ كبرى لها مصالحها ومنها المُناصر لهذا الطرف أو ذاك. قد يشكّل اتفاق باريس تقدماً إذا ما تغلّب أطرافه – من ليبيين وقوىً دولية – على ما سيكتنف تنفيذه من عقباتٍ وعراقيل من ذات المشاركين الليبيين والجماعات والمصالح التي تقف وراءهم. وتندرج تلك التحديات في جانبٍ هامٍّ منها تحت عنوانيْ الفساد والتشبّث بالسلطة.

يطغى على مشهد العمل الحكومي والسياسي في ليبيا فسادٌ عظيم،تـميَّز – بعد ما سُمِّيَ بالربيع العربي – بتغلغله كعنصرٍ جوهري، وليس كمجرّد ممارساتٍ عارضة، في دائرة صُنع السياسات والقرارات. والجديد هو كوْنه – عند أصحابه – أمراً طبيعياً، بعد الانتصار على النظام وإسقاط الدولة والقانون والانحدار إلى حروبٍ أهلية مستمرّة إلى اليوم. يمارسون الفساد بمنطق الغنيمة الذي بات مسيطراً على سلوك المنتصرين والانتهازيين المرتبطين بهم؛ يرون في البلاد وشعبِها وثرواتها ممتلكاتِ قبيلةٍ هُزمت في غزوة، وكلَّ ما للمهزوم غنيمةً مستحَقَّة للغازي المنتصر. هكذا كانت الحرب منذ الجاهلية؛ غزواتٍ وصولاً إلى السّبيِ والغنيمة.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

سُرّاق الأوطان

فرّطوا في الأمانة، أرضاً ومالاً وكرامة. جثث أبنائهم تحت أنقاض الرِّقّة والموصل وأنفاقِ دُوما، وفي السجن الكبير غزّة، ومساجد ليبيا وأرياف سوريا وحوْزات العراق وأعراس اليمن. قنابل وصواريخ وطائراتٌ، بأيدي العدوّ والطامع وأصحاب السمو والفخامة والسعادة، تُلقى بحِمَمَها على الأهل في كل يوم. الموت محيطٌ بالناس قصفاً وقهراً وجوعاً، أو – لمن يختار- غرقاً. ومتوحّشون من أبناء جلدتهم، أطلقهم مُترَفون من أبناء جلدتهم، يَذبحون ويسلُبون ويسْبُون.

مشهدٌ نرى فيه السُّرّاقَ أولي الأمر قد أسرفوا سقوطاً وعَمالةً وذِلّة. ابن العلقميّ سبقهم، ونواطيرُ العقيْلة والبريقة والمقرون، والبندة، وحركيّو الجزائر، وبائعو فلسطين. صفحاتهم باقيةٌ يورّثونها أبناءهم جيلاً بعد جيل. وقضاء الله آتٍ.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

سُقوط نظامٍ وانهيارُ دولة.. مقدِّماتٌ ودوافع

كان نظام سبتمبر قد هرِم وطال انتظار رحيله، بعد حِقبةٍ من الاستبدادِ، وحروبٍ لم يكن للناس رأيٌ فيها، وعسفٍ، وضنَكِ عيش. كان لتلك الصفحة أن تُطوَى، ولصفحةٍ جديدة أن تُفتَح؛ تُطلّ بتباشيرِ الحريةِ والكرامةِ ورفاه العيْش. ولكن ثورة فبراير قادت، بدلاً من ذلك، إلى أزمةٍ وطنيةٍ ومعاناةٍ معيشية، لن يأتي الخلاص منها على يد المسؤولين عنها، والنّخَبِ المنتفعة منها، والدولِ المقدِّمة لمصالحها – بطبيعة الحال – على المصلحة الوطنية الليبية.

النظام يعدّل مساره

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

القيادة عند ذئابٍ وعند ذئاب

في المقدّمة ذئابٌ ثلاثة، مرضى وكبارٌ في السن. خُطاهم تحدّد سرعة الركب حتى لا يُتركوا وحدهم. 
يتبعهم خمسةٌ هم الأقوى؛ تقع عليهم مهمة حماية المقدِّمة.
للجماعة وسطَ الرّكبِ تتوفر الحماية من الأمام والخلف وفي كل الأوقات.
الذئاب الخمسة وراء الوسط هم من أقوى الذئاب، وتقع عليها مهمة حماية المؤخرة.
ووراءهم جميعاً موقع القائد، يتأكد أن لا أحد يُترك خارج الركب، محافظاً على وحدته وبقائه على النهج، مستعداً للعَدْوِ في أي اتجاه ليحمي وليخدم، حارساً للجميع.

وفي نمطٍ آخر من سلوك المخلوقات سيكون القائد في المقدمة، والركبُ من ورائه؛ منهم الخَدَمُ والمنافقون والمتزلفون والمزمّرون؛ ومنهم ضعافُ الحال ممن ضعُفت حيلتهم ومَن غلبهم الحياء فغُلِبوا على أمرهم. وتتحول الغاية من الحياة، فتكون سعادةَ القائد وامتلاء بطنه ودغدغةَ ذاته المنتفخة، وفُتاتاً يُبقي خُدّامه في الخدمة، ورضا أسياده (كل سِيدْ ولِهْ سِيدْ). وليذهب الباقون إلى عذاب العَوز والقهر، والموتِ الذي هو خاتمة سيْرهم مع الركب أو خارجه.

A little food for thought… A group of wolves: The three in front are old & sick, they walk in front to set the pace of…

Posted by Ivan Ginsberg on Monday, June 5, 2017

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

عندما يذوب الضّدُّ في ضّدِّه

ظهرت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، هدفُها إقامة دولةٍ ليهود العالم على أرض فلسطين، متحولةً بعد أن حققت هدفها هذا إلى الدفاع عن وجود إسرائيل ومصالحها. وظهر في مجالنا العربي انخراطٌ مُؤدّاه تثبيت وجود إسرائيل على الأرض الفلسطينية؛ اكتسب زخماً كبيراً بتوقيع اتفاقيات الصلح الثلاثة معها. ودخلت عملية تصفية القضية الفلسطينية حالةَ تسارعٍ شديد بمجيء الإدارة الأمريكية الجديدة، في هيئة ’صفقةِ قرنٍ‘ يجري التحضير والتسويق لها، وفي مشاريع تجارية كبرى في مجال الطاقة على الخصوص، في تأكيدٍ من المُمسكين بالسلطة على طبيعيّة العلاقات مع إسرائيل. يحيلنا هذا الواقع إلى تساؤلٍ مشروع: يُكتب الكثير عن ’الصهاينة المسيحيين Christian Zionists‘ وطائفة الإنجيليين ـ مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، أحد أعضائها – هل يوجد صهاينةٌ عرب؟

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

الكون الجميل وأبناء قابيل

قصيدةٌ للأستاذ المستشار خليفة الغزواني، تكرّم بإرسالها لي الأستاذ جمعة اجبيل، الذي كان قد سجّلها منه في أكتوبر 2010.

للأستاذ الغزواني نظرةٌ ناقدة ثاقبة للسلوك مجتَمَعاً وأفراداً. وقد دأب الأستاذ الغزواني على التعبير بصدقٍ وشفافية سواءً في جلساته الشيّقة أو أشعاره. أذكر أن الأستاذ عبد الحميد المبروك بن حليم، الذي كان يشارك الأستاذ خليفة الصراحة والثقافة الواسعة والمُجالَسة الشيقة، طلب مني يوماً أن أوصله لزيارته في بيته. قلت إنه كان لديّ موعدٌ، ولذلك سأوصله وأعود إليه فيما بعد. أصرّ الأستاذ خليفة أن أدخل لبعض الوقت ثم أنصرف إلى موعدي. يومَها أخلفتُ بالموعد.

ليست هذه القصيدة للقراءة السريعة؛ قراءتها لا تكون إلا متأنّيةً ومُمعِنةً في كلماتها ومعانيها وأوجه البلاغة فيها. فيها يتأمّل شاعرنا في الكون والحياة؛ وفي حالنا، مسترجِعاً قصّة قابيل وقتله لأخيه. فيها يَنظِم الأستاذ الغزواني خلاصةً من تجاربه في الحياة وتقلّباتها؛ وقد مرّ منها بالكثير مناضلاً وطنياً، ورجل قانون في مختلف درجات القضاء حتى المحكمة العليا؛ ونائباً عاماً، لم يكن استقلالُه وتمسّكه بالقانون ليروق للنظام، فألغى المنصِب نفسَه.

متّع الله الأستاذ خليفة الغزواني بموفور الصحة، وأطال في عمره قامةً شامخةً من قامات القضاء الليبي عِلماً ونزاهةً وأمانة، ومن قامات الشعر العربي. أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

احتفالٌ بفبراير

احتفالٌ بفبراير، ليس للّيبيين منه موقف واحد:

هناك المحتفلون بصدقٍ، بذكرى ثورةٍ نجحت في تخليص البلاد من حُكمٍ مستبد؛

ومُحتفلون بمكاسِبَ وثرواتٍ تحصّلوا عليها بطريقٍ أو آخر.  

وهناك من لا يجدون مسوِّغاً لاحتفال:

مَن يفتقدون سلطاناً ورغَدَ عيشٍ وعلاقاتِ استقواء؛

ومَن لهم أعزّاءُ قُتلوا، ومَن سُجنوا وعُذِّبوا، أو خُطِفوا؛

ومَن هُجِّروا من ديارهم؛

ومَن خُرِّبت منازلهم وسُرقت ممتلكاتهم؛

ومَن يُحزنهم دمارُ الدولة؛

ومقهورون بأجنبيٍّ دنّس الأرض، و

ومحزونون لما يروْن مِن عَمالةٍ وتجارةٍ بالوطن.

لكلٍّ تجربتُه ومشاعرُه وحياتُه؛ والوطن واحدٌ؛ لا يتجزّأ ولا يُستبدل.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

ما لم نتصوّره، ولا مات من أجله أحد

أمراءٌ على الطائرات وبين الفنادق والعواصم؛ وعبادٌ في الظلام، في المرابيع والأسواق والمقاهي، في الأكواخِ والخيامِ وفي العراء، في زحمةِ المصارفِ والوقود، بملابسِ الحربِ وموضاتِ روما، وراء النقاب أو تحت الشناني، وبالشباشب وكرفتّات باريس.

وصراعٌ عريض؛ أدواتُه نارٌ ومفخّخاتٌ ومالٌ، وقتلٌ وحبسٌ وتهجيرٌ، وخطفٌ ونهبٌ وسطوٌ، وقنواتُ دجلٍ وكذِبٍ وفتنةٍ، وتجارةٌ في الدينِ والثورةِ والوطنِ و’فنِّ الممكن‘. كلّ ما على الأرض مباحٌ بأي حيلةٍ أو سلاح.

غادرَنا الحياءُ، وأقبلتْ قصورٌ في بلادِ بني عثمان، وحساباتٌ في أرض الله الواسعة، وبزنس وأُنْسٌ حيثما كان.

وبكاءٌ على الأطلال؛ على المروءةِ والعروبةِ والشهامة، وإغماضُ عيونٍ وصَمّ آذانٍ، وتسليمٌ للأجنبي ولواقعٍ  صوّرناه محتوماً فكان.

القانون يُرى ولا يُرى، الجَمال توارى، والحياءُ استحَى.

وأصبحت الحياةُ قبيحةَ المنظر، مُرَّةَ المَذاق، لا يطمئنّ فيها أحدٌ لغده، قاهراً كان أو مقهوراً.

(من أوراقي القديمة مؤرّخاً في 10 يونيه 2009، وبتصرّفٍ كبيرٍ جداً فرضه ما استجد).

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

ألِف باء

مبدأ استقلالية السلطة القضائية ليس مطلباً يُنادَى به من قبيل الترف أو المناكفة السياسية. في المبدأ ضمانٌ لتحقيق العدالة وحماية حقوق الناس والمؤسسات والدولة، وفيه ضمانٌ للحريات ولدستورية القوانين والقرارات. في استقلال القضاء ضمان لحقوق الضعفاء والمظلومين والمحكومين على وجه الخصوص. ليس للقاضي مرجعٌ إلا إلى القانون وضميرِه، وليس لأحدٍ سبيل عليه، وإن كان رأس الدولة، وإن كان الرئيس شرعياً.

لذلك توابعُه؛ فالقاضي لا يخضع لتأثيرٍ من الحاكم أو صاحب مالٍ أو نفوذ، وهو آمنٌ على نفسه من تهديد السلطة وإغراءاتها وتهديداتها. القاضي لا يكون إلا حرَّ القرار. وفي نفس القدر من الأهمية أن يراه الناس كذلك. في مدينتي، في خمسينيات القرن الماضي، يُحكى أن رجلاً استوقف في السوق قاضياً ليشرح له أمره في القضية المعروضة بين يديه. في اليوم التالي، أعفى ذلك القاضي نفسه من مواصلة النظر في القضية. القاضي حرّ القرار وحرٌّ من التأثير من أيٍّ كان. هكذا يجب أن يكون، وهكذا يجب أن يُرى.

نُشرت هذه الصورة عبر وسائل الإعلام يوم أمس، على أنها لرئيس المجلس الرئاسي مستقبِلاً رئيس المحكمة العليا.

هذه الصورة لرئيس المحكمة العليا في حضرة رئيس السلطة التنفيذية، مسيئةٌ للرجلين معاً، ولمكانة القضاء الليبي، وتزيد فوق الأسَى أسىً.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق