الكون الجميل وأبناء قابيل

قصيدةٌ للأستاذ المستشار خليفة الغزواني، تكرّم بإرسالها لي الأستاذ جمعة اجبيل، الذي كان قد سجّلها منه في أكتوبر 2010.

للأستاذ الغزواني نظرةٌ ناقدة ثاقبة للسلوك مجتَمَعاً وأفراداً. وقد دأب الأستاذ الغزواني على التعبير بصدقٍ وشفافية سواءً في جلساته الشيّقة أو أشعاره. أذكر أن الأستاذ عبد الحميد المبروك بن حليم، الذي كان يشارك الأستاذ خليفة الصراحة والثقافة الواسعة والمُجالَسة الشيقة، طلب مني يوماً أن أوصله لزيارته في بيته. قلت إنه كان لديّ موعدٌ، ولذلك سأوصله وأعود إليه فيما بعد. أصرّ الأستاذ خليفة أن أدخل لبعض الوقت ثم أنصرف إلى موعدي. يومَها أخلفتُ بالموعد.

ليست هذه القصيدة للقراءة السريعة؛ قراءتها لا تكون إلا متأنّيةً ومُمعِنةً في كلماتها ومعانيها وأوجه البلاغة فيها. فيها يتأمّل شاعرنا في الكون والحياة؛ وفي حالنا، مسترجِعاً قصّة قابيل وقتله لأخيه. فيها يَنظِم الأستاذ الغزواني خلاصةً من تجاربه في الحياة وتقلّباتها؛ وقد مرّ منها بالكثير مناضلاً وطنياً، ورجل قانون في مختلف درجات القضاء حتى المحكمة العليا؛ ونائباً عاماً، لم يكن استقلالُه وتمسّكه بالقانون ليروق للنظام، فألغى المنصِب نفسَه.

متّع الله الأستاذ خليفة الغزواني بموفور الصحة، وأطال في عمره قامةً شامخةً من قامات القضاء الليبي عِلماً ونزاهةً وأمانة، ومن قامات الشعر العربي. أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

احتفالٌ بفبراير

احتفالٌ بفبراير، ليس للّيبيين منه موقف واحد:

هناك المحتفلون بصدقٍ، بذكرى ثورةٍ نجحت في تخليص البلاد من حُكمٍ مستبد؛

ومُحتفلون بمكاسِبَ وثرواتٍ تحصّلوا عليها بطريقٍ أو آخر.  

وهناك من لا يجدون مسوِّغاً لاحتفال:

مَن يفتقدون سلطاناً ورغَدَ عيشٍ وعلاقاتِ استقواء؛

ومَن لهم أعزّاءُ قُتلوا، ومَن سُجنوا وعُذِّبوا، أو خُطِفوا؛

ومَن هُجِّروا من ديارهم؛

ومَن خُرِّبت منازلهم وسُرقت ممتلكاتهم؛

ومَن يُحزنهم دمارُ الدولة؛

ومقهورون بأجنبيٍّ دنّس الأرض، و

ومحزونون لما يروْن مِن عَمالةٍ وتجارةٍ بالوطن.

لكلٍّ تجربتُه ومشاعرُه وحياتُه؛ والوطن واحدٌ؛ لا يتجزّأ ولا يُستبدل.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

ما لم نتصوّره، ولا مات من أجله أحد

أمراءٌ على الطائرات وبين الفنادق والعواصم؛ وعبادٌ في الظلام، في المرابيع والأسواق والمقاهي، في الأكواخِ والخيامِ وفي العراء، في زحمةِ المصارفِ والوقود، بملابسِ الحربِ وموضاتِ روما، وراء النقاب أو تحت الشناني، وبالشباشب وكرفتّات باريس.

وصراعٌ عريض؛ أدواتُه نارٌ ومفخّخاتٌ ومالٌ، وقتلٌ وحبسٌ وتهجيرٌ، وخطفٌ ونهبٌ وسطوٌ، وقنواتُ دجلٍ وكذِبٍ وفتنةٍ، وتجارةٌ في الدينِ والثورةِ والوطنِ و’فنِّ الممكن‘. كلّ ما على الأرض مباحٌ بأي حيلةٍ أو سلاح.

غادرَنا الحياءُ، وأقبلتْ قصورٌ في بلادِ بني عثمان، وحساباتٌ في أرض الله الواسعة، وبزنس وأُنْسٌ حيثما كان.

وبكاءٌ على الأطلال؛ على المروءةِ والعروبةِ والشهامة، وإغماضُ عيونٍ وصَمّ آذانٍ، وتسليمٌ للأجنبي ولواقعٍ  صوّرناه محتوماً فكان.

القانون يُرى ولا يُرى، الجَمال توارى، والحياءُ استحَى.

وأصبحت الحياةُ قبيحةَ المنظر، مُرَّةَ المَذاق، لا يطمئنّ فيها أحدٌ لغده، قاهراً كان أو مقهوراً.

(من أوراقي القديمة مؤرّخاً في 10 يونيه 2009، وبتصرّفٍ كبيرٍ جداً فرضه ما استجد).

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

ألِف باء

مبدأ استقلالية السلطة القضائية ليس مطلباً يُنادَى به من قبيل الترف أو المناكفة السياسية. في المبدأ ضمانٌ لتحقيق العدالة وحماية حقوق الناس والمؤسسات والدولة، وفيه ضمانٌ للحريات ولدستورية القوانين والقرارات. في استقلال القضاء ضمان لحقوق الضعفاء والمظلومين والمحكومين على وجه الخصوص. ليس للقاضي مرجعٌ إلا إلى القانون وضميرِه، وليس لأحدٍ سبيل عليه، وإن كان رأس الدولة، وإن كان الرئيس شرعياً.

لذلك توابعُه؛ فالقاضي لا يخضع لتأثيرٍ من الحاكم أو صاحب مالٍ أو نفوذ، وهو آمنٌ على نفسه من تهديد السلطة وإغراءاتها وتهديداتها. القاضي لا يكون إلا حرَّ القرار. وفي نفس القدر من الأهمية أن يراه الناس كذلك. في مدينتي، في خمسينيات القرن الماضي، يُحكى أن رجلاً استوقف في السوق قاضياً ليشرح له أمره في القضية المعروضة بين يديه. في اليوم التالي، أعفى ذلك القاضي نفسه من مواصلة النظر في القضية. القاضي حرّ القرار وحرٌّ من التأثير من أيٍّ كان. هكذا يجب أن يكون، وهكذا يجب أن يُرى.

نُشرت هذه الصورة عبر وسائل الإعلام يوم أمس، على أنها لرئيس المجلس الرئاسي مستقبِلاً رئيس المحكمة العليا.

هذه الصورة لرئيس المحكمة العليا في حضرة رئيس السلطة التنفيذية، مسيئةٌ للرجلين معاً، ولمكانة القضاء الليبي، وتزيد فوق الأسَى أسىً.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

ليبيا… بعد سبعٍ شِداد

ما زالت انتفاضة فبراير 2011 قريبة العهد منا، وما زلنا نعيش تفاعلاتِها وآثارَها المباشرة. التاريخ، عندما يُكتب، سيروي خفاياها وأدوار الدول والجماعات والأفراد في انبثاقها ومسارها وموقعها في سياق ما عُرف بالربيع العربي وغزو العراق السابق له. ولكن بالاستطاعة السّرد والملاحظة في حدود ما عشناه والقليل الذي نعرفه، أو نعرف عنه.

في البدء كانت المملكة

يوم أُعلِـنت المملكة الليبية المتحدة دولةً اتحادية مستقلة، في 24 ديسمبر 1951، كانت أفقرَ بلدان أفريقيا، وبتعداد سكانٍ يقلّ عن مليون نسمة. وكانت إيطاليا قد تركت وراءها واقعاً تعليمياً بائساً بلغت فيه نسبة الأمية ما بين 90 و95%. اعتمدت الدولة الوليدة في إيراداتها على المساعدات المالية الأجنبية حتى اكتشاف النفط وبدء تصديره عام 1961. ورغم ضعف الإمكانيات، حققت جهود بناء مؤسسات الدولة نجاحاً كبيراً، وتحققت معها قفزةٌ كبيرة في مجال التعليم على وجه الخصوص. ومع بداية تصدير النفط، شرعت الدولة في وضع وتنفيذ خططٍ تنمويةٍ في مجالات البنية التحتية والإسكان والإنشاءات التعليمية. دخلت البلاد مرحلة بناء دولةٍ حديثة وبدأ جيلٌ من الشباب تولّي مسؤوليات إدارتها.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

خمسة أسئلة

كان توني بِنْ أحد أبرز وجوه الحياة العامة في بريطانيا على مدى ستين عاماً؛ نائباً في مجلس العموم لخمسين عاماً، ووزيرا للتكنولوجيا وللصناعة. كان راديكالياً، اشتراكياً، منحازاً للطبقة العاملة، مناهضاً للميز العنصري قبل أن تكون محاربة الميز العنصري موضة الساسة في الغرب، ولحروب الطيش والاستغلال.

كانت له خمسة أسئلة، يكررها في خطبه ومحاضراته، قائلاً إنها يجب أن تُوجّه إلى كلّ من يشغل موقعاً من مواقع سلطة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية:

  • ما هي سلطاتك؟

  • كيف تحصّلت عليها؟

  • لمصلحة مَن تمارس سلطتك؟

  • أمام مَن تتمّ مساءلتك؟

  • كيف يمكننا أن نتخلّص منك؟

وكان سؤاله المفضّل من بينها هو الأخير.

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

جديدٌ قديم

تفاهماتٌ واتفاقاتٌ مع المستعمِر القديم، ودفاعٌ وتبريراتٌ من ساسةٍ ومحلّلين وخبراء في علوم القانون والسياسة والتاريخ. نستمع فنرى كيف أصبح الثابتُ متغيّراً والمقدّسُ موضعَ نظر. يقولون إن ما ارتكبه المستعمِر من تجاوزاتٍ وانتهاكاتٍ قد تجاوزه الزمن؛ لنترُكْه جانباً ونلْحق بعصر التعاون بين الأمم والأجناس، والتسامح والتفاهم؛ بعيداً عن الكراهية، والعنصرية، ومفرداتِ الاستعمار والخيانة والعمالة.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

متوالية ليلٍ طويل

تعاقَب المبعوثون الأمميون على ليبيا بدءاً بعبد الإله الخطيب، ومن بعده إيان مارتن ثم طارق متري فبرناردينو ليون ومارتن كوبلر وأخيراً غسان سلامة. وتعاقب مبعوثون كُثُر ممثّلين لدولهم، كان أوّلَهم سيّءُ الذّكر برنار ليفي.

كان قدوم غسان سلامه مبعثَ تفاؤلٍ تجاوز التقديرَ الواقعي لطبيعة القيود التي تفرضها مصالح الدول الفاعلة وسياساتها. وكان الشعور غالباً بأنه سيكون حتماً متعاطفاً مع الليبيين في محنتهم، ومتماهياً معهم في تطلّعهم لبناء دولة وطنية مستقلة، ينعمون في ظلّها بالأمن وطِيب العيش وكرامة الإنسان. تعاطِي سلامه مع الليبيين واستماعُه لمختلف فئاتهم وفي مختلف مدنهم، وتصريحاتُه العاكسة بدقةٍ لأحوالهم وهواجسهم كانت وراء ذلك التفاؤل. ولكن هل تبدّل المسار العام للقضية الليبية عما كان عليه خلال الفترة السابقة لمجيء السيد سلامه؟

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

الشراكة مع المحلّي طريقاً

مقالةٌ من بين أوراقي تعود إلى 12 يونيه 2009، يتجاوز موضوعها حدود الصدام الذي أعقب الغزو الأمريكي للعراق كما يتجاوز تاريخ كتابتها. فيما يلي ملخّص لها بتصرّف.

 درَس ديفيد كِلكلن David Kilcullen العلوم السياسية والأنثروبولوجيا (الأنسنة أو المجتمعات الإنسانية)، ودخل الخدمة العسكرية بالجيش الأسترالي قام أثناءها بدراسةٍ ميدانية لتمرّد تيمور الشرقية ضد سلطة إندونيسيا، وراقب العلاقات التي حكمت ذلك النزاع بين جيش نظامي ومجموعة من المسلحين والسكان المحليين. عمل كلكلن بعد ذلك مستشاراً لقائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بيتريوس، ويوصف بأنه كان وراء النجاح العسكري الذي حققه بتريوس في العراق.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق

عبّود بيك وعمر المختار

كان عبّود بيك أبو راشد، القادم من المشرق العربي، موظفاً بالإدارة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا. وكان قد تعرّف على عمر المختار من خلال الترجمة بينه وبين الإيطاليين.  بعث عبّود بيك رسالةً إلى عمر المختار بتاريخ 15 سبتمبر 1925، أشار فيها إلى ما تعانيه البلاد وما لحق بها جرّاء مقاومة الاحتلال، ونَصَحه بالاستسلام لإيطاليا؛ فهي دولةٌ قويةٌ لا يمكن قهرها. وكان عمر المختار قد تلقى العروض سَخيةً بالمال والحماية والاعتراف له بالمكانة الرفيعة في برقة وطرابلس إن اختار الإقامة في البلاد، والمال والرعايةِ إن هو آثر الهجرة؛ شريطة أن يترك الجهاد وينصح الأهالي بالكف عن مواجهة الاحتلال.

ردّ عمر المختار على رسالة عبود بيك برسالةٍ نشرتها جريدة “الوطن” في عددها بتاريخ 21 سبتمبر 1948؛ وَرَدَتْ مقاطعُ منها في كتاب “وثائق جمعية عمر المختار” للأستاذ محمد بشير المغيربي (1)؛ وجدتُ، إضافةً إليها، مقاطعَ على موقع “ويكي الاقتباس” (2)، استعنتُ بها في استحضار الرسالة من دون تدخّلٍ مني فيما عدا إضافة علامات التشكيل والترقيم حيث حسبتها ضرورية لتسهيل قراءة النَّص واستقامتها.

في رسالة المختار عِظةٌ وتذكيرٌ بما يعنيه الجهاد ومقاومة المحتلّ؛ وما يعنيه تسليمُ مقدّرات الأمة له وإن تبدّلت أشكاله وتغيّر خطابه وثيابه. وفي الرسالة انتصارٌ للمبادئ لذاتها وليس من أجل مصالحَ ومنافعَ رخيصةٍ يفرح بها مناضلو الفنادق وساسةُ ’فنون الممكن‘. في ليبيا، كما في فلسطين وحولها، تفيض الساحات بأمثال عبّود بيك؛ يقودون أوطانهم – وأنفسَهم حتماً – إلى الهلاك. ويأبى عمر المختار أن يغيب.

أكمل قراءة المقالة

كُتب في الرئيسية | الوسوم: | إرسال التعليق