كذب عربي

الثورة الليبية كانت حدثاً فريداً قلب حسابات وسفّه حسابات. هبّ للوقوف معها جانب كبير من المجتمع الدولي انتصاراً لقيمٍ ومبادئ إنسانية سامية، أو سعياً وراء مصالحَ سياسيةٍ داخلية أو إقليمية ودولية خارجية. وقد التقت القيَم مع المصالح عند عديد الأطراف، والتقت مصالحها مع مصلحة الليبيين أنفسهم. واختلف الأمر مع آخرين، منهم العرب ذوو القربى، الذين تذبذبت مواقفهم ـــ عدا استثناءات قليلة ــ بين تقاعسٍ وعداءـ والحديث هنا عن حكوماتٍ ومفكّرين وصناع رأيٍ عام وليس عن شعوب.

ليست هناك مبالغة في وصف نظام القذافي بأنه الأقبح والأكثر عبثيةً وسفهاً وإنكاراً للقيم الإسلامية والإنسانية من بين أنظمتنا العربية كلِّها، وإن كانت تلك الأنظمة على درجة غير بعيدة منه من حيث الاستبداد وانفراد شخص أو عشيرة أو طائفة بالحكم والثروة. والليبيون شعب متجانس لم يكن هناك قلق كبير من تحول ثورتهم إلى اقتتالٍ عرقي أو طائفي أو ديني. والثورة الليبية ليبية المنشأ والغاية رغم ادعاءات جهابذة الفكر والإعلام العرب. ومع ذلك تقاعس العرب وتركوا الغرب يستجيب لاستغاثة الليبيين في مواجهة آلة الإبادة الجماعية الزاحفة نحو بنغازي وغيرها من المناطق الليبية فيما بعد، وإن كان بعض العرب بعد ذلك تابعين.

ولم تكن الثورة في ليبيا سوى واحدة من ثورات الربيع العربي التي انتقلت في موجاتٍ متلاحقة انطلاقاً من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين، ولم تكن بعيدة عن شواطئ أقطارٍ أخرى تعاملت أنظمتها معها بنجاحٍ… إلى حين.

واختلفت مواقف الدول والمفكّرين العرب من ثورة إلى أخرى، فهي لم تكن مساندةً ولا معاديةً لمبدأٍ أو مصلحةٍ واضحة. مواقف العرب، إجمالاً، لم تكن مناصرةً للثائرين من أجل الحرية والكرامة، ولا حاميةً للنظام العربي القائم بحجة الاستقرار أو ’شرعية‘ الأنظمة الحاكمة مثلاً. لقد تباينت المواقف من الثورة الليبية مثلا حتى من طرف جيرانها الأقربين، فساندتها تونس والسودان ووقفت الجزائر ضدها، وكان المجلس العسكري في مصر بين هذا وذاك. السعودية تدخلت بالقوة العسكرية لتُجهز على ثورة البحرين، ونراها الآن تساند الثوار في سوريا بحماسٍ شديد. ووقفت قطر مع الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن، ولكنها شاركت السعودية في وأد ثورة البحرين. حزب الله ساند ثورة البحرين وهو يقف الآن ضد ثورة سوريا. الأنظمة الحاكمة في الخليج تتصرف في البحرين بما لا يخالف طبعها، وفي سوريا هي ثوريةُ الهوى.

الثورة في سوريا شبيهة بثورة ليبيا في منطلقاتها وطلبها للحرية والكرامة، وليس بعد ذلك وجه شبه. ثوار سوريا منقسمون انقسامات حادة، وشعب سوريا يشكّل فسيفساء معقدةً من الأعراق والطوائف، وسوريا بموقعها المركزي في منطقة قد توصف بأنها أكثر مناطق العالم حيوية لاقتصادات الدول الكبرى، إضافةً لأهميتها المحورية لسلامة ’إسرائيل‘، تشكّل هدفاً لا شكّ فيه لمؤامرات الدول الكبرى وإسرائيل نفسها، تقسيماً وإضعافاً ومدخلاً إلى إعادة تشكيل المنطقة في كياناتٍ عرقية وطائفييةٍ قزمية.

بالرغم من مخاطر ما قد يتطور إليه الصراع الجاري في سوريا، نجد حماساً للثورة السورية لا تكبحه اعتبارات تلك المخاطر المحتملة، من طرف أنظمة عربية وقفت من الثورة الليبية مواقف أقرب ما تكون إلى العداء. ما السبب؟ أليست كل المنطقة مهددة من هذا المدخل السوري بحروب عرقية وطائفية وتفتيتٍ لا يبقي ولا يذر؟ أليس وارداً أن يكون في النهاية نظام الأسد والثورة السورية وسوريا نفسها ومِن ورائها لبنان ومن بعدها الأردن، جميعهم، ومعهم غيرهم، خاسرين؟ أم أن العداء لإيران والخلاف المذهبي مع المسلمين الشيعة باتت قضايا تلك الأنظمة؟ وفي أيّ سربٍ يغردون؟

السّمة المشتركة بين كل تلك المواقف العربية المتباينة من الثورات العربية هي الكذب والنفاق، والغائب عنها هو تقدير مصلحة الأمة. مواقفهم لا تشكّلها مطالب الحرية والكرامة ومنعة الأمة، ولا مبادئ يتمّ تمزيقها في قطر عربي والتستّر وراءها في قطرٍ آخر. هي أنظمة غير جديرةٍ بأن تؤتمن على مستقبل قطة.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *