قراءة في نتائج الانتخابات

تصفحت موقع المفوضة الوطنية العليا للانتخابات على شبكة المعلومات (الإنترنت) للاطلاع على إحصائيات وأرقام رسمية لنتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام، ولم أجد في الموقع إجابةً عن كثيرٍ مما يدور بالذهن من أسئلة. أردت أن أعرف مثلاً: عدد المواطنين، على مستوى الدولة، الذين أدلوا بأصواتهم لكل كيان سياسي على حدة، وعدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم من كلٍّ من الجنسين، ولمن مِن الكيانات. كان عليّ القيام بعملية جمع طويلة للحصول على المعلومة الأولى، ولم تكن هناك حيلة للحصول على الثانية.

نتائج القوائم:

عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم: 1,764,840

عدد الذين صوتوا للكيانيين الذين فازا بالترتيبين الأول والثاني:

عدد الذين صوّتوا لتحالف القوى الوطنية: حوالي 440 ألف صوت (24.9% من الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم)

عدد الذين صوّتوا لحزب العدالة والبناء: حوالي 111 ألف صوت (6.3% من الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم)

نلاحظ أن حوالي 75% من الأصوات قد تبعثر بين العدد الكبير من الكيانات حتى أن نصيب صاحب الترتيب الثاني لم يتجاوز 6.3% من الأصوات. وهذا يعود ليس فقط إلى العدد الكبير من الكيانات المشاركة (وبعضها ذات انتماءاتٍ محلية، لم تتجاوز ترشيحاتها دائرة واحدة أو دائرتين)، ولكن أيضاً لنظام التمثيل النسي للقوائم وتقسيم الدوائر.

الغرض الأساسي من التمثيل النسبي هو الابتعاد عن سيطرة الأحزاب الكبرى على مقاعد المجلس المنتخب وإعطاء فرصة أكبر للأحزاب الصغيرة لأن يكون لها تمثيل. وهو نظام أكثر عدالة من النظام غير النسبي الذي كثيرا ما يؤدي إلى سيطرة حزب على المجلس بما لا يزيد عن 25% من أصوات الناخبين على المستوى الوطني. وللنظام النسبي أنماط عديدة ذات درجات متفاوتة من التعقيد، والغرض منها دائماً هو ضمان أقرب شيء إلى تمثيل توجهات الناخبين، مع عدم إهمال الأحزاب الصغيرة وذات الاهتمامات الخاصة… البيئة على سبيل المثال. إلا أن النظام النسبي الذي تم تبنّيه عندنا، مقترناً بتقسيم الدوائر بالشكل الذي اقترن به، أدّيا إلى تشظي الأصوات وتبعثر مقاعد المؤتمر بين 21 كياناً:

التحالف: 39 مقعداً، العدالة والبناء: 17 مقعداً، الجبهة الوطنية: 3 مقاعد، تجمع وادي الحياة: مقعدان، الاتحاد من أجل الوطن: مقعدان، التيار الوطني الوسطي: مقعدان، خمسة عشر كيانا تحصلت على مقعد واحد لكلٍّ منها.

وأدى هذا النظام إلى توزيعٍ للمقاعد يبدو غير عادل، فالكيان الذي تحصل على24.9% من الأصوات على مستوى البلاد كان نصيبه 39 مقعداً، والكيان الذي تحصل على 6.2% من الأصوات كان نصيبه 17 مقعداً. وهكذا شأن المقارنة بين عدد مقاعد الكيانات الأخرى. ولكن هذا التوزيع للمقاعد متوقع عندما لا تكون البلاد ليبيا دائرة انتخابية واحدة، ويُعتمد تقسيمٌ للدوائر بالمعايير السكانية والجغرافية التي تم وضعها لهذا الغرض.

نتائج الأفراد:

وكان نظام الأغلبية هو النظام المعتمد لانتخاب الأعضاء من الأفراد، وهو نظام بسيط يكون الفوز فيه للمرشح الذي يتحصل على أكبر عدد من الأصوات. ما يستحق النظر هنا هو أن القانون لم يشترط أن يكون المرشح الفرد مستقلاً عن الكيانات، ولا يوجد مانعٌ من انضمامه، بعد فوزه، إلى أي كيان يشاء. كنت قد عبرت عن الرأي بوجود عيب حقيقي في هذا الشأن، فهو ينطوي على إخلالٍ بثقة الناخب في العضو الذي أعطاه صوته لأسباب مبنية على صفاته الشخصية، وربما لكونه مستقلا غيرَ منتمٍ لحزب أيضاً. وفيما يحدث من التحاق المرشح الفائز بكيانٍ ما إفراغٌ لمبدأ تخصيص 60% من مقاعد المؤتمر للأفراد من غرضه إلى حدٍّ بعيد. إحدى طرق معالجة هذا الوضع الملتبس للأعضاء المنتخبين كأفراد قد تكون بعدم تخصيص عدد محدد من المقاعد للأفراد (المستقلين) وعدم الفصل بينهم وبين القوائم، بل بفتح الباب أمامهم للترشح في كل الدوائر على قدم المساواة مع أعضاء القوائم التي قد تتحول إلى قوائم مفتوحة لا مغلقةً كما كانت في انتخابات المؤتمر الوطني، وستكون الطرق لمعالجة هذا الوضع عديدة.

تمثيل المرأة:

ولا بدّ من التنويه بنجاح شرط ’التناوب العمودي والأفقي بين الذكور والإناث‘ في القوائم في تأمين تمثيل صحي للمرأة بلغ 33 مقعداً، جميعها باستثناء مقعد واحد (أو اثنين؟) حصلت عليه مرأة عن طريق الترشح الفردي.

وتظل التجربة الانتخابية الأولى في ليبيا الجديدة ناجحة بكافة المعايير، تنظيماً وإقبالاً وشفافيةً وأمناً. ويبقى باب التحسين في نظام الانتخاب وتقسيم الدوائر الانتخابية وكافة جوانب العملية الانتخابية مفتوحاً، والتحسين عملية تراكمية لا نهاية لها. الأهم من كل اعتبار آخر هو أن البلاد قد خطت أولى الخطوات على طريق بناء الدولة الديموقراطية الحديثة. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *