دولة فاشلة

كمدخلٍ للتعرّف على الدولة الفاشلة يجدر أن ننظر في مقومات ما يمكن أن يُسمّى بالدولةِ الناجحة. الدولة الناجحة فيما أرى هي التي تهيّء لمواطنيها أسباب الأمن والسلم الاجتماعي والعيش المشترك في كنف القانون الذي يرتضونه، وتحقّق غاياتهم المشروعة وغايات الأمة كما يراها مجموعهم. متى عجزت الدولة عن توفير هذه الأسباب كانت دولةً فاشلة، مثلما نراها رأي العين في شكل تناحرٍ وتقاتلٍ وانهيارٍ للسلطة المركزية في الصومال أو أفغانستان، أو في شكل عجزٍ يحول دون تحقيق الغايات الفردية والوطنية كليهما، ما يؤدي إلى تفسخٍ في علاقة الفرد بالوطن وتحلّله من التزامات تلك العلاقة، وهذا ما تحقق في الحالة الليبية بامتياز. لقد بُذرت بذور هذا الفشل يوم خطاب زواره سنة 1973، وتخلّقت البلاد على مدى أربعين عاماً  إلى كائن لا ينظم حركتَه وشؤونَه قانون، بل أهواءُ فردٍ سرق السلطة ووظّفها لإرضاء نزواته، مختزِلا الدولة في شخصه. 

كانت الحياة في ليبيا أقرب ما تكون إلى وصف الفيلسوف توماس هوبز لما أسماه ’حالة الطبيعة‘ حيث “يكون مباحأً لكل شخص أن يضع اليد على كل شيء أمامه، ممّا يؤدي إلى الصراع حتما؛ إلى حرب الجميع ضد الجميع، وبالتالي إلى حياة “مقفرةٍ، بائسةٍ، قبيحةٍ، متوحشةٍ وقصيرة”.

أما دارُون عاصم أوغلو [1] فيتناول الفشل من زاوية أنه فشلُ الأمة في تحقيق الرخاء؛ فهو لا يتناول فشل الدول حينما تتفكك هياكلها مثلما هو الحال في الصومال أو أفغانستان، بل فشلَ الأمم في تحقيق الرخاء. ويعزو عاصم أوغلو ذلك الفشل لأسبابٍ سياسية. تحتاج الأمم لكي تحقق الرخاء، طبقاً لعاصم أوغلو، إلى مؤسسات تشجع الاستثمار والإبداع وتخلق المساواة في الفرص ما يُمكّن المواطنين من استخدام قدراتهم ومواهبهم. وعندما يعجز شعبٌ عن تحقيق الرخاء، سيعود السبب في ذلك إلى السياسة، فالفئة الحاكمة تصنع مؤسساتها التي تخدم مصالحها ومصالح الفئات الاجتماعية التي تدور في فلكها. وعندما لا توفر هذه المؤسسات الحوافز ولا المساواة في الفرص أمام المواطنين في مجالات الاستثمار والإبداع تفشل الأمم في تحقيق الرخاء.

أيّاً كان التعريف وأياً كانت الأوصاف، سنجد من الصعوبة بمكان إنكار أن نظام القذافي عندما هلك ورحل قد ترك وراءه دولةً فاشلة، بدليل أن الشعبَ الليبي نفسه، وليس نخبةً منه أو مجموعةً من العسكر، كان مُطلِقَ شرارة الثورة ووقودَها؛ وبدليل ما نراه من غيابٍ شبهِ تامٍّ لمؤسسات الدولة؛ ومن سلوكٍ خارجٍ عن المقبول شرعاً أو عرفاً أو عقلاً من فئاتٍ عريضة من الشعب الليبي نفسه.    

لقد عجزت دولة القذافي عن تحقيق الرخاء لمواطنيها، وانحدرت بجودة الحياة في البلاد إلى مستويات مخجلة… نشرت الفساد على نطاق لم تسبقها فيه غير بضعة دول في العالم كله… أذلّت الإنسان وامتهنت كرامته واسترخصت حياته…  لم تُقِم عدلاً بين الناس… لم تطعمهم من جوع ولا آمنهتم من خوف. دولة بهذه الأوصاف دولةٌ فاشلة بجدارةٍ وامتياز. دولة القذافي قامت واستمرت على البطش والإرهاب لا غير.

دولة هذه أوصافها دولةٌ فاشلة لا هيبة لها، حتى نأسى على غياب هيْبتها بعد الثورة.

[1] أستاذ الاقتصاد بجامعة MIT

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *