الندوة الأدبية

لم تكن الحياة السياسية والثقافية في ليبيا في الأربعينيات من القرن الماضي قفراً، بل كانت تنبض نشاطاً وأملاً في غدٍ قريب كانوا يرونه آتياً بالحرية والخير والرخاء. ولم يرَ ذلك الجيل الرائد، بعد انقشاع الاستعمار، ما يحول دون تحقيق آمال وطموحات أمة. لم يخطر ببال أحدٍ منهم أو من الجيل التالي لجيلهم، والذي رعوْه تعليماً وتربيةً، أن النهضة التي وضعوا لبناتها الأولى، سيأتي صعلوكٌ يتصدّى لقيادتها، فيجهضها ظلماً وبغياً وعدواناً. 

لقد كانت جمعية عمر المختار رائدة في دوائر العمل السياسي والثقافي والرياضي، وهي التي ترأسها في مدينة درنة الرجل الفذ، الشاعر إبراهيم الأسطى عمر، وتولّى سكرتاريتها عبد الله سكته، رحمهما الله رحمةً واسعة.

الندوة

الكاتب مع المرحوم عبد الله سكته – 10 فبراير 2008

كان من بين النشاطات الثقافية للجمعية في مدينة درنة ندوةٌ ثقافية أسبوعية تنعقد بمقرّ الجمعية في زنقة البحر مساء كل سبت، حيث تُجرى المناظرات في حضور جمهور غفير تغصّ به القاعة، كما يجري تنظيمها وتحكيمها طبقا لنظام موضوع، تظهر في ختام هذه المقالة صورة له. وكان من المحكّمين رجال مرموقون من أمثال الأستاذ عبد الجواد الفريطيس، أحد أعلام التعليم والأستاذ علي الجربي رجل الديبلوماسية الليبية الأبرز في الخمسينيات.   

كنت قد سمعت الكثير عن هذه الندوة من والدي، السيد سالم الثلثي، الذي كان رئيساً للقسم الثقافي بالجمعية في فترةٍ من الأربعينيات، ومن سكرتير الجمعية الأستاذ عبد الله سكته، رحمهما الله.

قيادة مستنيرة

إبراهيم الأسطى عمر 1908 – 1950

أذكر ما سمعته من الأستاذ سكته عن إحدى تلك الندوات. كان موضوعها المفاضلة بين إنشاء مدرسة أو مستشفى بالمدينة في وقت لم تكن الإمكانيات المالية تسمح بإنشاء الإثنين معاً. سأل رئيس الجمعية إبراهيم الأسطى عمر، مُناظرَه الأستاذ عبد الله سكته أن يختار عن أيّ جانب من المناظرة يحبّ أن يدفع بالحجة. واعترض الأستاذ إبراهيم عندما اقترح الأستاذ عبدالله أن يتولى هو جانب المستشفى، قائلاً: “لا. أنت ستأخذ جانب المدرسة، فجانب تقديم المدرسة على المستشفى هو الأقوى حجةً، والمدرسة بالتأكيد هي الأوْلى بأن تقام قبل المستشفى. المدرسة ستعلم من سيصبح طبيباً… وستربح أنت المناظرة في مواجهة الرئيس. فليتعوّد الناس على أن يتفوّق المرءوس على الرئيس بقوة الحجّة، وأن على الرئيس أن يقبل النتيجة”.

أستحي من مجرّد التفكير في المقارنة بين قيادة مخلصة مستنيرة، وقيادة باغيةٍ عابثةٍ سفيهة.

الندوة الأدبية ص 1

الندوة الأدبية ص 2
هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية, أوراق قديمة. الوسوم: , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *