في الشكل وفي المضمون

كثر النقاش والنقد في مختلف الاتجاهات حول اجتماعات عُقدت بين الشيخ علي الصلابي وآخرين مع بقايا نظام القذافي في القاهرة يوم 27 مايو الماضي. وكانت مرجعية النقاش والنقد هي تصريحات رموز البقايا إلى أجهزة الإعلام، وتأكيد الشيخ الصلابي بأنه إنما حاور الطرف الآخر بتكليف من رئيس المجلس الانتقالي، وخروج إحدى أعضاء المجلس بعد ذلك لتقول إنه لم يكن للمجلس علمٌ بالموضوع. وظهر على صفحات المواقع الإلكترونية ما سُمّي بـ ’محضر اتفاق بين المجتمعين‘.

المصالحة وشرعية الثورة:

بدايةً، ينبغي ألا نلجأ إلى التشكيك في نوايا أحد من المحاورين عن جانب المجلس. لنبحث بدلاً من ذلك في دوافع وأهداف اللقاء من وجهة نظرهم. يقولون إن المصالحة الوطنية هي الهدف، وذلك ما لن نختلف في السعي من أجل تحقيقه. ولكن تبقى أسئلة: مع مَن؟ وتحت أي شروط؟ وكيف؟ ومتى؟

المصالحة الوطنية تقتضي اعتراف الأطراف كافةً بشرعية الثورة، انطلاقاً من أنها قامت ضد الظلم والقهر والنهب والسفه التي مارسها القذافي على مدى أكثر من أربعين عاماً. وليس من ينكر شرعيةَ الثورة أهلاً لحوار هدفه المصالحة. وللمصالحة الوطنية نفسِها مقدّمةٌ.. شرطٌ، لا تصحّ من دونه، وهو تحقيق العدالة الانتقالية.

العدالة الانتقالية:

لقد سمعنا الكثير عن العدالة الانتقالية وقانونها وآلياتها، ولم يتحقق من ذلك على أرض الواقع شيء. إن الثكالى واليتامى والمقهورين، والذين سُلبت حرياتهم وممتلكاتهم، وذوي المقتولين على أعواد المشانق في الجامعات والساحات العامة، ومن قُتلوا في شوارع أوروبا وأقبية السجون وساحاتها وعلى متن الطائرات، نتيجة ظلمٍ وقهرٍ ممنهجين على مدى جيلٍ بكامله لحق به جيلٌ ثان، أحقّ بأن يُنصفوا قبل أن تمتدّ يدٌ للمصالحة مع أدوات الجريمة وأعوانها. لم نر شيئاً في اتجاه عدالةٍ انتقاليةٍ تُحقّ الحقَّ وتنصف المظلومين، بل إن السلطة القضائية معطّلة بالكامل. هل هي ظروف قاهرة امتدت لأكثر من سبعة أشهر تلت إعلان التحرير؟ أم إن هناك أسباباً خافيةً وراء تقديم المصالحة، مع أركان النظام تحديداً، على العدالة؟

الاتفاق:

اتفق الجانبان طبقا لما يُسمى بمحضر الاتفاق على ست عشر نقطة لن يختلف أكثرنا بشأنها اختلافاً كبيراً. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو “هل هذا كلّ ما هناك؟”. إن النقاط المذكورة لا تتطلب في حقيقتها حواراً، بل تمثّل حقوقاً مبدئيةً لكلّ ليبي، وباستطاعة الحكومة – بل من واجبها – أن تكفلها للجميع، وأن تفتح الأبواب أمام كل ليبيٍّ صاحب حق من دون تحميله أوزار جرائم قريبٍ مهما بلغت درجة قرابته. للجميع الحق في ’حقوقه‘ المدنية كاملةً ما لم يُحرم منها بحُكم، وعلى الجميع أن يخضع لسلطة القضاء في كلّ جُرم يكون قد ارتكبه. والنقاش هنا يعود بنا مرة أخرى إلى عودة السلطة القضائية لممارسة عملها وإلى عدالةٍ انتقالية طال انتظار استحقاقها.

الشكل:

المتداول من الأخبار يشير إلى أن الشيخ الصلابي ورفاقه قد اجتمعوا بممثلي بقايا نظام القذافي بتكليفٍ من رئيس المجلس الانتقالي، وأن ذلك التكليف قد صدر من دون عودة إلى المجلس. أما الليبيون فقد كانوا غائبين تماماً عما يجري.

هل يجوز أن يتم موضوع على هذا القدر من الأهمية والخطورة على مستقبل العملية الانتقالية وبناء الدولة بمعزلٍ عن الرأي العام ومن دون تلمّسٍ لحدود المقبول لدى عامة الناس في شأنٍ يمسّ صميم مشاعرهم في أعزاء استُشهدوا وآخرين بُترت أطرافهم وأعراضٍ انتُهكت وأطفالٍ رُوِّعوا، فوق كلّ نكبات السنوات الإثنين والأربعين؟ وهل من العدل أن يتحمل ثقل المسؤولية نفرٌ من الليبيين لا يحملون صفةً رسمية؟

كشف ما خفي:

أتمنى من كل الأطراف – المجلس الانتقالي والشيخ علي الصلابي تحديداً – المبادرة بكشف دوافع القبول باجتماعٍ مع رموز بقايا نظام القذافي بهدف ما أُعلن من أنه المصالحة الوطنية، لعلّ لديهم ما يُقنع المعترضين بصواب التوجه إلى اجتماع القاهرة، ويزيح عن كاهل الشيخ ورفاقه حملاً ربما لم يسْعوا إليه، وليس من العدل أن يتحملوا وحدهم تبعاته.

وعوْدةً إلى الشكل، نجد فيما جرى بخصوص اجتماع القاهرة مثالاً صارخاً على عمليةٍ معتمةٍ لصنع القرار، دائرةُ الفاعلين فيها ضيقةً، ومنهجها غير معلن، والغائب عنها هو المواطن تحديداً. ليس الوقت ولا الموضوع مناسبين للاجتهاد الشخصي، ولا عملية اتخاذ القرار المعمول بها مقبولة. والشكل هنا في أهمية المضمون، وإن تبيّن صواب المضمون. ليس هكذا نبني دولة المؤسسات التي نريد.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *