نضج سياسي ووطني مبكّر… أُجهض

هذه ورقة أخرى من أوراق جمعية عمر المختار في الأربعينيات من القرن الماضي، وقتَ مخاض الاستقلال الأول.

ما أشبه اليوم بالبارحة من حيث أنه يشكل حداً فاصلاً بين عهدين، وما أبعده من نواحٍ جوهرية عديدة، تتبيّن بكل وضوح من البيان الذي يلي نصّه وصورة منه.

كانت المنطقة العربية لا تزال في حالة كفاحٍ ضد الاستعمار المباشر في العديد من أقطارها في ذلك الوقت، وكانت نذر نكبة فلسطين ظاهرةً في الأفق، تفاعل الشعب الليبي معها رغم ما كان يمرّ به من نضال مرير لم يوصله بعد إلى الاستقلال المنشود، وهبّ شبابُه لنصرة فلسطين بأرواحهم مسطّرين صفحاتٍ مشهودة من تاريخ تلك الحقبة.

وعاشت في مدن ليبية جاليات يهودية يعود تاريخ تواجدها فيها إلى أجيال قديمة. وكان هناك تسامح مكّن تلك الجاليات من العيش في أمان في كنف مجتمعات ليبية مسلمة؛ ذلك إلى وقت قدوم المشروع الصهيوني إلى المنطقة.

البيان التالي نصه، ثمّ صورة منه، كان وسيلةً من وسائل تواصل الجمعية مع المواطنين في وقت لم تكن هناك وسائل إعلام بالأنماط المعروفة في عصرنا هذا. كانت البيانات تُلصق في شوارع المدينة مخاطبةً جمهورها. لنقرأ ثم نتأمل:

جمعية عمر المختار

مركز درنة

بيان إلى الجمهور الدرناوي الكريم

قرر مجلس الإدارة في جلسته المنعقدة يوم 8 الجاري إصدار البيان الآتي:

1)      بمناسبة قرار الأمم المتحدة الخاص بتقسيم فلسطين حدثت حوادث إرهابية ضد يهود المواطنين، ارتكبها بعض الأفراد المجهولين في هذه المدينة بدافع الحماس القومي دون تدبر وإمعان فيما يترتب على أعمالهم من ضرر بالنسبة للمصلحة الوطنية من جهة وعدم جدواها للقضية الفلسطينية من جهة أخرى.

2)      إن قضية فلسطين هي قضية العرب جميعا والتضامن والشعور بالغيرة والتضحية في سبيلها أمر تتطلبه الكرامة العربية ولكن بالطرق الإنسانية المشروعة التي يحتمها الظرف وتتفق مع نصوص شريعتنا الإسلامية السمحاء.

3)      إن من الطرق المشروعة في الدفاع عن قضية فلسطين أن نفرق بادئ ذي بدء بين اليهودية من حيث هي دين يجب احترامه، وبين الصهيونية منم حيث هي فكرة سياسية غاشمة تجب محاربتها بالنفس والنفيس ولكن في مهدها وفي عقر [دارها] فلسطين.

4)      من الشرف ومن مبادئ الشهامة العربية أن نحترم الضعفاء وأن نعمل على حمايتهم من التعدي وعوامل الخوف والإرهاب، وأن نشعرهم بأن ديننا الإسلامي الحنيف أسمى من أن يدفعنا إلى العبث بسلامة وحقوق المستأمَنين والمستجيرين [والأقليات].

5)      إن قضية فلسطين قد دخلت الآن في دور عملي، فلا الإضرابات ولا المظاهرات ولا الاعتداءات البعيدة عنها بالتي تدفع عنها غائلة الصهيونية وتحطم أغراضها [الاستبدادية] المنكرة. إنها تتطلب حصر الجهود وجمع الأموال و[تعبئة] الرجال لتسخيرهم في ميدان القتال لتوطيد الفكرة العربية عالية خفاقة على أنقاض المطامع الاستعمارية البالية.

6)      وإلى أن تفتح المكاتب لجمع التبرعات ولتجنيد المتطوعين من أبناء ليبيا البواسل [الذين] يعتبرون نفوسهم لبنة من لبنات الجامعة العربية وسلاحا من أسلحتها الفولاذية القوية، تهيب جمعية عمر المختار ورابطة شبابها بالجمهور الدرناوي الكريم أن يلتزم منتهى الهدوء والسكينة، وأن يترفع أولئك الأفراد عن الإتيان بالأعمال الإرهابية التي تذهب بالشعور القومي هباء منثوراً وتناقض الشهامة العربية وروح الديانة الإسلامية، فالله تعالى يقول “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”.

7)      إننا مقبلون على مجابهة لجنة تحقيق دولية من أول واجباتها أن [تتحرى]  مستوانا الفكري ومدى شعورنا بالعدل والإنصاف نحو الضعيف الأجنبي بنوع خاص ونحو الأقليات الوطنية بوجه عام.

فالواجب والمروءة تقضيان إبراز مواهبنا الإنسانية لتكون دليلا على حرصنا على العدالة والإحسان، أساس كل نضوج قومي وسياسي، للوصول إلى آمالنا في الحرية والاستقلال كاملة غير منقوصة.

                                                                                   الرئيس

1947/12/9                                                                    إبراهيم أسطى عمر

أرى في هذا الخطاب درجةً عالية من النضج والمسؤولية، نفتقدها في الخطاب السياسي في أيامنا هذه.

الخطاب يسمّي الأشياء بأسمائها وبصفاتها الصريحة من دون مواربة أو تخفٍّ وراء مبرّرات يتلمّسها من هنا أو هناك، فالعمل الإرهابيُّ – مثلاً – عملٌ إرهابي وإن كان موجهاً إلى الآخر أو كانت هناك شبهة في ضلوع مجموعة من أبناء الوطن فيه.

الخطاب يستند إلى مبادئ سامية تمسّك بها في المطلق غير المرتبط بمصلحة، فنحن “نحترم الضعفاء ونعمل على حمايتهم من التعدي وعوامل الخوف والإرهاب”…. و”ديننا الإسلامي الحنيف أسمى من أن يدفعنا إلى العبث بسلامة وحقوق المستأمَنين والمستجيرين”. و”الواجب والمروءة تقضيان إبراز مواهبنا الإنسانية”… نعم، مواهبنا الإنسانية.

أين هذا النضج والأخلاق والمبادئ السامية من ممارسات البعض منا تجاه بعضنا الآخر في زمننا هذا، وإن لُكنا بألستنا عبارات التسامح والتصالح والعدل ليل نهار؟ 

وأفق التأمّل فيما يمثله هذا البيان، وما آل إليه حالنا، أوسع من هذا بكثير. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية, أوراق قديمة. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

2 تعليقين على: نضج سياسي ووطني مبكّر… أُجهض

  1. عطية الأوجلي كتب:

    وثيقة جميلة تنم عن نضج سياسي وأخلاقي مبكر…

  2. فعلا مقالة رائعة جدا تعكس عقلية و نضج و بعد نظر المخاطب السياسي ، و ايضا تعكس قدرة المجتمع على قبول هذا النوع من الخطاب الصريح الغير متلون الغير منافق .
    يعكس ايضا ان المجتمع قد تربى على ان يعرف الحسن من السيء الصالح من الطالح

    اتمنى ان نجد من يعود بهذا النوع من الخطاب السياسي الى عالم الحاضر

    شكرا و استمر في تثقيفنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *