جرافيتي الثورة

(سبق النشر بصحيفة ميادين – عدد 2012.04.10)

في طريقي إلى بنغازي في شهر يوليه 2011، للمرة الأولى بعد تفجّر ثورة 17 فبراير المجيدة، كنت في شوق لملاقاة الأحرار في شرق الوطن، كما كانت تدور في مخيلتي صورٌ لميدان المحكمةِ وحشودِه الثائرة، ومعسكرِ الكتيبةِ وقد سقط، ولطريق بنغازي اجدابيا ببقايا الهياكل المتفحمة لرتل التتار المندحر عليه يوم 19 مارس.

ليالي ميدان المحكمة في بنغازي لن تمّحي من ذاكرتي ما حييت. كان لهديرِ الحشودِ وتكبيرِها وفرحتِها وأوجاعِها، ومخاوفها مما قد تأتي به الساعاتُ من أخبارِ الجبهاتِ على مشارف البريقة وفي جبلِ نفوسه ومصراته؛ كان لكل ذلك وقعه المحفور في الذاكرة. ولكنها تبقى ذكرياتٍ لا يتجاوز عمرُها أياماً معدوداتٍ هي عمر من عاشوها وهزّتهم، بل زلزلتهم زلزالا.

كنت أتطلع للخروج إلى طريق اجدابيا. وعندما خرجت وجدتها قد خلت من بقايا رتلِ الموت. كان الطريق خالياً من كلِّ الدباباتِ والآلياتِ عدا بضعٍ منها متناثرة على جانبي الطريق. أين هي بقايا رتل التتار؟ تجارُ الحديد كانوا قد قطّعوها وصدّروها. كما في كل الحروب، انبعث تجار حرب التحرير منذ أيامها الأولى ليجمعوا الأموال غير عابئين بدماء الشهداء ودموعِ اليتامى وزفراتِ الأمهاتِ والأرامل. فلكلٍّ منا، في هذه الحياة أيضاً، شأنٌ يُغنيه. وتستمرّ تجارة حرب التحرير بأشكال أخرى إلى أيامنا هذه.

تمنّيت أن تبقى هياكلُ ذلك الرتلِ مَعلَماً حياً شاهداً على طاغيةٍ أراد أن يمحو مدينة من الوجود، شاهداً على بطولةِ رجالٍ واجهوه على مشارف المدينة بصدورهم وتكبيرهم، وبالجيلاطينا ورشاشاتٍ وطائرتين عتيقتين، على مدى اثنتي عشرة ساعة، حتى جاءت طائراتُ التحالفِ مساءَ ذلك اليومِ الحاسمِ لتدكّه دكّاً. كانت بقايا ذلك الرتل المتفحمة مشروعاً لمتحف مفتوح يحكي كيف أن الاستبدادَ لا حدودَ لشروره، وأن الأحرارَ يسطّرون التاريخ بدمائهم، والله حينئذ معهم، ولكن تجار الحرب أرادوا غيرَ ذلك.

وكانت المفاجأةُ جدارياتِ بنغازي. كلّ ما كان محصوراً بين الضلوعِ تفجّر ناراً ودماءً وتكبيراً.. وتعبيراً بالكلمة والصورة، بعد طول معاناة وقمع وكبت. كان الطاغيةُ شغوفاً لدرجة الجنون بكلّ ما يمجّد ذاتَه ويزيّن صورته، منشورةً في الميادين وعلى الجدران. احتكر التعبيرَ والتوصيف في كل ما يتعلق بشخصه، فهو القائد والمفكر والمعلم والفاتح وملك الملوك وغير ذلك مما تصور في نفسه أو تمنى لها. وجاء الردُّ من الناس على جدران المدينة، بعدما تحرروا من طغيانه، رسوماً وكلماتٍ من الأعماقِ تنطق صادقةً بما رأوا فيه من قبح في الشكل والخُلُق، وإلى جانبها رسومٌ وكلماتٌ تمجّد شهداء الحرية وتعبر عن الفرحة بانتصار عزيز.

حينما ننظر إلى ما يمكن أن يبقى شاهداً على تاريخِ هذه الثورةِ ربما لن نجد غيرَ فنونِ الشارع هذه.. الجرافيتي. الجدارياتُ ليست فناً حديثا، بل قام الإنسان قديما بالرسم على الصخور. أليست رسومُ أكاكوس فناً جدارياً، جرافيتي؟ أما حديثاً فهي نوعٌ من الفنون التي هي قبلة الزوار والسواح من كلِّ مكان. ولعل الأشهرَ من بين المدنِ المعروفةِ بالفنونِ الجداريةِ ساو باولو وملبورن ونيويورك.

ونجد في مدينة بريستول ببريطانيا حملةً لإعلان مسطحات جدارية للفنان بانكسي في أهم شوارع المدينة معلماً تاريخياً محميّاً يمنع القانون إزالتَها أو تشويهَها، رغم أنه عملٌ حديثٌ وفي القانون ما يدعو لإزالتها لـ ’تشويهها‘ لمباني المدينة. ويجادل مطلقو الحملة بأنهم يطالبون بحمايةِ عملٍ ’مرشحٍ لأن يكون تاريخياً‘. هم يدعون لحماية ما ’سيكون تاريخياً‘ ويجمعون التبرعات والهبات للمحافظة عليه من الآن، لقيمته الفنية.

هل تنسى الثورة فنانَها قيس الهلالي العبيدي؟ رسومُه عل جدرانِ بنغازي جذبت اهتمامَ وسائلِ الإعلامِ العالمية. كان يخرج بأدواتِه وألوانِه مسجّلاً صفحاتٍ من ملحمةِ الثورة على جدران مدينته، إلى أن امتدتْ إليه يدُ الغدرِ مساءَ يوم 20 مارس 2011 عائداً إلى منزله بعد أن أتمّ عملَه لذلك اليوم: الرسمَ على الجدران، فاغتالوه. هل نذكر قيس؟ أليست رسومُه على جدرانِ المدينةِ جديرةً بالحماية، تخليداً لذكراه، وتذكيراً للأجيالِ ببعضٍ من صفحاتِ ثورة 17 فبراير وشهدائها؟

حريٌّ ببنغازي ودرنة وسوق الجمعه وفشلوم وتاجوراء وجبل نفوسه وكل مدننا أن تحافظ على مساحاتٍ جداريةٍ مُختارة، ذاتِ قيمةٍ فنية ودلالاتٍ ثقافيةٍ وتاريخية، تحمل بعضاً من فنون الثورة وتسجيلاً لمشاعرِ الناس يوم ثاروا ضدَّ الظلمِ والاستبداد ورفعوا الصوتَ عالياً أنهم أحرار، فلوّنوا الجدرانَ برسومٍ وكلماتٍ امتزجت بدموعِ وهتافاتِ وأوجاعِ وأفراحِ الملايين من طلاّب الحرية. يحافظون على جدارياتهم لقيمتها الفنية، ونحافظ نحن على جدارياتنا لقيمتها الفنية، وأيضاً لقيمتِها التاريخيةِ التسجيلية.

من أعمال قيس العبيدي – ميدان التحرير – بنغازي

 

شارع الشط – طرابلس

 

على جدران كتيبة الفضيل

زاوية الدهماني

على جدران باب العزيزية

تاجوراء

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *