“بذور الأخلاق الراقية”

السيدة مفيدة بن فايد – كانت تُعرف أيضا باسم مفيدة الخوجة – تركية الأصل، من مواليد سوريا، زوجة المجاهد محمد عبد القادر بن فايد. إحدى الرائدات الأولَيات لتعليم البنات في ليبيا. بدأت مسيرتها في مجال تعليم البنات بفتح فصل دراسي في مدينة درنة عام 1926. وباندلاع الحرب العالمية الثانية أغلقت مدرسة مفيدة الخوجة أبوابها، لتواصل إعطاء الدروس في منزل تبرّع به زوجها لهذا الغرض. وافتُتحت المدرسة من جديد بعيد انتهاء الحرب، يوم 1 إبريل 1943، متّخذةً مقراً لها بالميدان البلدي في المدينة، وفيما عُرف بعد ذلك بمدرسة الزهراء التي أدارتها السيدة فتحية عاشور بجدارة فيما بعد، وقبلها االمربية الفاضلة السيدة فتحية شنيب [1].

نشرت مجلة “المدرسة” الصادرة عن مدرسة النصر في أحد أعدادها لسنة 1943 مقالاً بمناسبة إعادة افتتاح مدرسة البنات  مشتملا على كلمة “المعلمة الأولى والقائمة بشئون المدرسة” في حفل الافتتاح. ألقت السيدة مفيدة بن فايد  كلمة، فيما يلي نصها وصورة من صفحات مجلة “المدرسة” التي نشرت مقالها بالمناسبة:

 أقف أمامكم في هذا الموقف الذي تفتحون به مدرسة الإناث بدرنة وأنا أشعر بهزة طرب وسرور كثير. لأنني أحسّ بأننا بهذه المدرسة وأمثالها نحارب سبباً من أسباب تأخرنا، نحارب الجهل الذي فشى في الأمة وكانت من نتائجه ما أنتم به عالمون. نفتح باسم الله وعون الله هذا المعهد الشريف بكل ارتياح وفرح عظيم. لأننا نعتقد بهذه المدارس والمعاهد، التي للبنين والبنات، ستمّحي ما أماتته عواطفنا ونبدّد غياهب الظلام الحالك لنهتدي إلى أقوم طريق. في هذا المعهد تُزرع بذور الأخلاق الراقية ولا نلبث أن نجني منها ثمراً صالحاً يعود على الأمة بالخير والنفع العميم إن شاء الله.

يا سعادة المتصرف،

نحن في افتقارٍ عظيم لتقويم المعوجّ من الأخلاق وإصلاح فاسدها، ولا سبيل لتقويم الأخلاق إلا بتربية المرأة وتعليمها. والمرأة عندنا في حالتها هذه بعيدة جداً عن نرى تلك الأخلاق الراقية تسير بالأمة إلى أوج السعادة والنجاح. لذلك حقّ علينا أن نرحب بكل مشروع يبني فيه أساس الاجتماع الصحيح ونهنئ أنفسنا كثيراً بمدرستنا هذه على صغرها، آملين أن يكثر الله من أمثالها حتى بذلك نحيي قوة المرأة الخامدة الآن، تلك القوة الهائلة التي تهزّ المهد بيمناها والعالم بيسراها. والذي يبشرنا ببلوغ هذه الآمال هو أن نرى القائمين بهذه النهضة الشريفة، نهضة تعليم المرأة، هي الحكومة وأعيان البلاد وسُراتها. وهاهي أعمالهم تدلّ على مقدار ذاك الشعور الحي الذي يتجلى بالعمل كمدرسة البنين للذكور والمدرسة التي نحتفل بافتتاحها الآن والتي ستشهد للعاملين فيها بالفضل العظيم وأنها ستكون ذكرى وتاريخ جميل لحكمكم السعيد في درنة من حيث أنها أول مدرسة للإناث أُعيد فتحها في ليبيا.

وفي الختام أهنيكم يا حضرة المتصرف وأهنئ حضرات أعيان هذه المدينة وأعضاء مجلسها البلدي على ما تحلّوا به من الحمية الصادقة والوطنية الحقة والتفكير الصحيح. والله أرجو أن يمدّنا جميعاً بروحٍ من عنده تقوّي فينا ذاك الشعور حتى نسعى بالتعاون والتعاضد لما فيه خير البلاد في جلالة الإمبراطور وسموّ الأمير، والسلام عليكم.

في هذه الكلمة وصفت السيدة مفيدة بن فايد مدرستها بأنها ’معهد شريف‘ فيه ’تُزرع بذور الأخلاق الراقية‘، وعرّفت الحاضرين برؤيةٍ ورسالة واضحتين:

’نحن في افتقارٍ عظيم لتقويم المعوجّ من الأخلاق وإصلاح فاسدها، ولا سبيل لتقويم الأخلاق إلا بتربية المرأة وتعليمها‘.

هل سبقت السيدة مفيدة بن فايد عصرها، أم أن ما أثمرته ’بذور الأخلاق الراقية‘ لحينٍ من الزمن… قد ذبُل؟ 

[1] إدارة السيدة فتحية شنيب للمدرسة بحاجة إلى تأكيد أو تصحيح.

غلاف مجلة “المدرسة” – خط الأستاذ السيد الثلثي

كلمة المعلمة مفيدة 1

كلمة المعلمة مفيدة 2

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية, أوراق قديمة. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *