خمسون عاماً بعد الانكسار… وتدمير الذات من بَعدُ

صيف سنة 1967، كانت الأجواء وقتها مفعمةً بالأمل؛ تجاوَزَ حدودَ الأوطان الصغيرة إلى رحاب أمةٍ تسارع الخطى نحو الخلاص من الاستعمار بأشكاله وآثاره. كان المستقبل واعداً بالتحرّر والتقدّم واللحاق بركب حضارة العصر، أو هكذا بدا. كانت الآمال ساطعةً والشعاراتُ قاطعةً ملهِبةً للمشاعر في ’بلاد العُرب أوطاني‘ من أقصاها إلى أقصاها.

تجسّد الأمل في زعيمٍ ملأ الفضاء كلّه بحضوره وصدقه وكلماته. لم يكن إلى جانب صوته صوتٌ يُسمع. كانت القبضة الأمنية في مصر فظّةً وحدودُ التعبير والتنظيم والاختلاف ضيقة. وكان الحال المعيشي صعباً، وإن كان التفاوت بين الناس محدوداً. ولكن المحبّين لم يشغلوا أنفسَهم بمن كانوا حول زعيمهم أو بعناصر القوة والضعف في عهده.

في بداية ذلك الصيف كانت طبول الحرب تُقرع، والجيوش تجهِّز وتنسِّق، ومن ذا الذي سيتأخّر؟ الجميع متطلّع إلى نصرٍ مؤزّرٍ لا شك فيه. وكان الأمل – توهّماً أو خوفاً – طاغياً على ما عداه.

جاءت حرب يونيو وانتهت في أيام – وربما في يومها الأول – لتظهر حقيقة أمة مسحورة بزعيمٍ فذٍّ في رؤيته وتعبيره عن ضميرها وآمالها في الاستقلال والنهضة واستعادة الحقوق. ولكن الزعيم كان وحده، وما حوله وما تحت يديه كان بناءً هارياً. وقعت الصاعقة؛ ضاعت جيوشٌ وضاعت القدس وسيناء والضفة والجولان. كشفت الحرب فداحة التقصير والاستخفاف بالخطر وضعف المقدرة وغياب المحاسبة.

بعد الاستفاقة واستقرار الغبار يكون البحث عن حقيقة ما جرى وأسبابه، والسعي لاستعادة التوازن وتلمّس الطريق. ولكن الطريق الذي اختير لم يكن طريق إدراك الأسباب وتصحيح النهج وتحسين الأداء. بل تمّ التخلّي عن الغايات وثوابت المصلحة وبديهيات قوة الاتحاد وضعف التفرّق؛ كأن أسباب الهزيمة تكمن في غايات الأمة، تحرّرِها واستقلالِها ووحدتِها والعدالة الاجتماعية بين أبنائها، وليس في الحُكم والإدارة والثقافة وضعف المقدرة.

بادرت مصر إلى نقض ما قبل ’النكسة‘ بكل ما فيه. تراجع النهج الجديد عما كانت تمثله ثورة يوليو على المستويين الاجتماعي والقومي. انفتحت نحو الغرب وصعد رأس المال نافذاً إلى أعلى مستويات السلطة، وحلّ الصلح مع العدو محلّ التحرير. وكان انكسار عبد الناصر فرصة ’للرجعية العربية‘ لتفتَـكّ قيادة الأمة بعدما كانت خامدةً في مرابعها راضيةً بالسلامة في سكونها. وأقيم النهج الجديد على قاعدةٍ من الفكر المذهبي الغريبِ خارجَ مَهْـدِه وأموالٍ تُضخ لنشره. انقسم المسلمون إلى مذاهبَ ومدارسَ تطرَّفَ فيها الفكر وتفرّع عنه أسوأ ما نرى، مستبدِلاً عِمارة الأرض وكرامة الإنسان والعدل والنظر والتفكّر بمسالكَ عدميةٍ متوحشةٍ يظن فيها أصحابها طريقاً إلى نعيمٍ تُساق إليه الأمة قسراً. وانهارت دولٌ وضاعت الأوطان في مهبّ الريح.

خمسون عاماً تراجعت خلالها فلسطين خجلاً، وأقبل ربيعٌ زائف مدفوع الثمن من ذات الخزائن، يحمل نقيض ما بشّر به من حرية الإنسان وكرامته ورغَد عيشه. أقبل ربيعهم بالبؤس وانهيار دولٍ وقِيَـمٍ وعودة الأجنبي يعيد القِسمة ونتعلّم ونتحضّر على يديه مرةً أخرى. ولا نهاية تلوح في الأفق. هزيمة يونيو مستمرةٌ بتبعاتها، لا نكاد ننظر إلى أسبابها، وسط ما حلّ بعدها من فساد عظيم وفقر مضاعف واقتتال وإرهاب، ورجعيّةٍ ترفض الحاضر وترى في الماضي مستقبلاً تقوِّض كل شيءٍ في سبيل العودة إليه.

تراجعت قضايا الحرية والاستقلال والتحرير والوحدة والعدالة الاجتماعية، وظهرت محلَّها تساؤلات كبرى تلحّ في طلب الجواب حول الهوية والانتماء الوطني وموقع المذاهب الدينية ورجال الدين في الدولة.

جدّت فوق الانكسار انكسارات. والجبر بعيد، في انتظار زوال الأسباب.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *