“خلّوا الدّور لغيركم”

الدولة الحديثة فكرة وافدةٌ على منطقتنا، مقوّماتها إقليمٌ وشعبٌ وحكومةٌ مركزية؛ تنبني على مفاهيم مبدئية، في المركز منها سيادةَ القانون وإنفاذه على يد مؤسسات مستقلة، واحتكار الدولة لاستخدام العنف، وضمانها أمن الناس في أنفسهم وأموالهم وكرامتهم الإنسانية من دون حاجة لأن يركَن أحدٌ لقبيلة أو جماعة؛ وولاء المواطن، في المقابل، لها وقبوله بتقييد حريته وِفقاً لمقتضيات القانون. وفيها يُتداول الحكم طبقاً لإرادة الشعب ووفق آليات يحدّدها القانون.

أما الدولة في تاريخنا وواقعنا فهي ممتلكاتٌ تُعرف باسم مالكيها، فهذه دولة أموية وتلك عباسية وأخرى فاطمية أو عثمانية، وفي عصرنا الحديث هي ممتلكات ملوكها وأمرائها وشيوخها ورؤساء جمهورياتها وجماهيريتها حتى مضت.

الدولة عندنا مِلكٌ لمن غَـلَب ولنسله من بعده متى استطاع. هكذا هو الحال منذ قُتل علي بن أبي طالب عليه السلام وسُمَّم الحسن؛ وتولّى الحكمَ معاوية وفرض البيعة لابنه يزيد. حارب يزيد منافسيْه على الحكم الحسينَ بن علي وعبدَ الله بن الزبير؛ فكانت كربلاء، فيها قُتل الحسين وأهل بيته وقطعت رؤوسهم وسيقت نساؤهم مع الرؤوس إلى يزيد في الشام. وخرجت حملة إخضاع عبد الله بن الزبير إلى مكة – كان أحد قادتها عمرو أخ عبد الله بن الزبير – أُحرقت فيها الكعبة أو هي احترقت. هكذا قامت أولى الممالك الإسلامية العضوض وتواصلت لأكثر من ثمانين عاماً.  وبالمفهوم ذاته وبالأدوات والشراسة ذاتها أعقبت دولةَ بني أميّة دولٌ وثورات أَسَّست حتى عصرنا هذا لممالك يتداولها النسل من بعد مؤسّسيها.

دولُنا لا تقوم على ’فكرة‘ الدولة الحديثة، بل هي الجائزة الكبرى لمن غلب في صراعٍ يستعمل فيه المتنافسون كلّ الأسلحة والأدوات من دون نظرٍ إلى أخلاقياتها حتى يندحر الخصم ويعتلي المنتصر كرسي السلطة مالكاً للأرض وما عليها حقّاً خالصاً له وعصبته، يُستدام بفعل قوة دولة ينشئها لنفسه. وتعظُم سطوة المالك ودولته حينما تكون الدولة ذات اقتصادٍ ريعيٍّ حيث مصدر الثروة غير ذي علاقةٍ بجهد وإنتاج الناس، تصبّ في خزائن الدولة (المالك) ومنها إلى المحكومين طبقاً لتقدير المالك ومقتضيات تأمين حكمه. المالك – رغم ما قد يفتعله من شكليات – حاكمٌ مطلقٌ بفعل قوةِ الدولة التي هي تحت إمرته والأمرِ الواقع الذي تصنعه ويصبح، بمرور الزمن، مقبولاً بل طبيعياً مسلّماً به.

ثورات عصرنا ليست استثناءً. أصبحت ليبيا، بعد تحوُّل فبراير إلى غزوةٍ، ملكا للغالبين الجدد. ولكن الثوار لم يكونوا عصبة واحدةً؛ كانوا جماعاتٍ وأفراداً قلوبهم شتى، تحكم مطامعَهم معادلة صفرية يستتبع مكسب طرفٍ منها خسارةَ الآخر. ولا أحد منهم يقوى على انتزاع الغلَبة المطلقة. أصبح المُلك مُشاعاً بين الثوار ومن تلحّفوا بردائهم، مدّعين لأنفسهم الحقَّ في وضع اليد على ما يصلون إليه، والسعيَ بقدر ما يملكون من قوة وحُظوة صنعوها لأنفسهم عند الأجنبي وسطوة من رجال دينٍ لوضع اليد على الغنيمة الكبرى: ليبيا.

لذلك كان إبعاد القيادات والخبرات العسكرية والأمنية والإدارية، وليس السياسية فقط، عن المشهد العام في وقتٍ مبكر. أذكر واحداً من الأمراء الجدد يبرّر العزل السياسي في كلامٍ وجّهه إليّ، بصفتي واحداً ممّن ينطبق عليهم القانون المنتظر وقتها، “خلّوا الدّور لغيركم”. ولم يقصّر أو يقصّروا أبداً في الإمساك بخيوط السلطة ومفاتح الخزائن من جانبٍ، والاقتتال فيما بينهم سعياً للانفراد بالمُلك. ذلك مفهوم تداول الحكم عندنا؛ استحواذٌ على الدولة – سلطاتها وثرواتها وهياكلها – وإقصاءٌ ونبذٌ للآخر، كلِّ آخر. هو تداولٌ باستخدام العنف لملكية الدولة.

إن ما يدور في ساحتنا الليبية من صراعٍ مسلحٍ في جانبٍ منه، تغذّيه وتديره أطراف أجنبية، ويخوضه الليبيون على قاعدة المغالبة وكل شيء أو لا شيء لن يقيم “دولة حديثة”، وقد ينتهي إلى ضياع الوطن نفسه. إقامة الدولة الحديثة تتطلّب نبذَ نهج المغالبة للفوز بكل شيء أو خسارة كل شيء، والأخذ بمفهوم الحلول الوسط، وقبول الأقلية بحكم الأغلبية مع حقها في الدعوة والتنظيم والسعي لتوسيع دائرتها بشكلٍ سلميٍّ علنيٍّ وشفاف. لعلنا، بعد كل هذه التضحيات الجمّة والدمار الكبير، نستفيق. ولكن الطريق طويل.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *