كلُّنا في (الأسباب) شرق

الحرائق مستعرة في ليبيا والمنطقة، والناس تائهون فيما آلت إليه أحوالهم. تضاءل الاهتمام بما يجري خارج دائرة العيش اليومي، فقد أصبح لكلٍّ شأنٌ يُغنيه. عمّت المشهدَ الفوضى واقتتالٌ ودمارٌ وعَمالةٌ ونهبٌ وفساد. وتوسّع الفقر وتعمّق؛ نمرّ بساحاتٍ يُستذلّ فيها النساء والرجال أمام المصارف كما لو كان الازدحام على مباراةٍ أو حفل فني. في المركز ممّا يجري حالةٌ فكريةٌ مَرَضيّة وأموالُ نفط وغاز وصراعاتٌ على أنقاض أوطان وغيابُ وعيٍ بالمصير المتشابك لدول المنطقة وكياناتها.

في ليبيا انطلقت جماعاتٌ تنتقم وتقتل وتنهب، وانقادت أخرى لفكرٍ عدميٌّ سوّغ التوحّش والقبح نهجاً لتحقيق غاياتها، وباسم الدين. انهارت الدولة وأوشكت مدّخراتها على النضوب، والمخاطر المحدِقة بالبلاد أكبر. ليبيا مهدَّدة بالتقسيم، وما هو أكبر. ليبيا يُنظر إليها كبلاد شاسعة المساحة عظيمة الخيرات قليلة السكان، وسط محيطٍ يفيض بكتله البشرية ويشكو ضعف موارده، ويشكّل خطرُ الهجرة منه خطراً غير مقبول على التركيبة السكانية للدول الأوربية واقتصاداتها. توطين المهاجرين في ليبيا حلٌّ تسعى دولٌ أوروبية، في مقدمتها إيطاليا، إلى تحقيقه. ذلك هدفٌ استراتيجي قد لا يفرضونه غداً، ولكن سعيهم في سبيله جارٍ. ونتصارع على ما بقي من مال.

وفي المشرق انهارت الدولة في العراق وانقسم إلى ثلاثة، وربما انفصل عن قريبٍ شَمالُه. وتدمير سوريا كوطن وشعب يجري بلا هوادة، واليمن الواقع تحت القصف والفقر والمرض في طريقه إلى الانقسام إذا بقي منه ما ينقسم. هُيِّـئت الظروف لظهور داعش من بعد القاعدة، وأتت الدول من كافة الأصقاع لمحاربتها في العراق وسوريا وتنفيذ ما يُخطط له تحت غطائها. ومصر التي نجت من فوضى ’الربيع‘ تعاني أزمةً اقتصادية طاحنة وتهديداً بالنقص في المياه وتزايداً في السكان.

أما دول النفط والغاز في الجزيرة العربية، فإن ربيعها يبدو مختلفاً. صراعات الجزيرة العربية يقودها الأمريكي ويلعب دور الحَـكَم بين أطرافها. هي دولٌ، طبقاً للرئيس ترامب، “ليس لديها شيء غير المال.” أموالها ذاهبةٌ طوعاً أو كَرهاً، ولا يبقى بعد ذهاب المال شيء. ذلك ربيعٌ آخر سينتهي إلى ذات نتائج الربيع الذي سبقه.

نتلفّت يمنةً ويسرةً فنرى الصورة البائسة كاملةً، وفي الوسط منها متفرِّجٌ سعيدٌ يما يرى. ونرى الحكام مهرولين بالأموال الخرافية والخدمات علّهم يبقوْن، وإن على أنقاض وطن.    

نقدّم الولاء للقبيلة على الانتماء للوطن. نلجأ للتواكل بدلاً من العمل والاجتهاد. ضعُـفت عندنا روح التنافس وقيمة الجدارة والاستحقاق أمام علاقاتِ الأسرة والقبيلة والجهة، والعمالة للأجنبي! وانحدرت قِـيَم العلم والتعليم والتهذيب. نخشى المجهول والمريب مُحْـتَمين بالأنماط القائمة من دون تدبّرٍ في ضوء الطارئ والجديد. حصرنا اهتمامنا في الحاضر وأهملنا الإعداد للمستقبل.

فينا أسباب أزماتنا وتخلّفنا، ومنّا يأتي التغيير متى أتى.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف الرئيسية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *