ذات الاختبار… من جديد

في التاريخ القريب صورٌ من العلاقة الليبية الإيطالية من حيث نشأتها وذرائعها والقمع والظلم اللذيْن لحقا بالليبيين جرّاءها، يعيدها حيّةً ما نشهده من أحداثٍ جاريةٍ أمامنا. تتغيّر الظروف، وتختفي وجوهٌ وتظهر وجوه، وتبقى العلاقة محكومةً بالمصالح وموازين القوى والمنظور الحضاري لكلٍّ من طرفيها للآخر.

ما نراه اليوم في العلاقة الليبية الإيطالية ليس مفصولاً عن علاقة استعمارية لا تزال مآسيها حيّةً في الأذهان بأسماء الضالعين فيها من فاشيين وجنرالاتٍ ومحاكم طائرة ومعسكرات إبادةٍ في جانبٍ؛ ومن مظلومين ومجاهدين وشهداء، وعملاء وشانقين وصِغارٍ أرادوا أن يكونوا كباراً فكتبوا لأنفسهم خسراناً وخزياً لا يزول، في الجانب الآخر.

تقول أنّا بالدينتي في كتابها “أصول الأمة الليبية”، رتلدج، ص 47، 48:

“انتهج جراسياني إجراءات قمعية قاسية اشتملت على إغلاق جميع الزوايا السنوسية ومصادرة الممتلكات السنوسية، والنزع الكامل للسلاح من السكان، والحكم بالإعدام للتعامل مع العصاة، ومنع كافة أشكال التجارة مع مصر. تم تنفيذ عقوبة الإعدام على يد ’محكمةٍ طائرة‘ انتقلت جواً من مكان إلى آخر تعقُبها إعدامات فورية تُنفّذ علناً أمام الملأ. وقد جرّمت المحاكم ونفذت أحكام الإعدام بحق 133 شخصاً بين أبريل 1930 ومارس 1931.

تنفيذ الإعدامات كان بيد أشخاص محليين تم توظيفهم للمناسبة أو اختيارهم من بين العساكر الليبيين.

لم يتمكن جراسياني، رغم هذه الإجراءات وعملية حربية جرت في شهر يونيه، من القضاء على قوات عمر المختار. وعليه فقد وجد بادوليو الحلَّ في تهجير السكان إلى معسكرات اعتقال…. تم ترحيل جميع سكان الجبل الأخضر الرّحَّـل وأشباه الرّحل … إلى خمسة معتقلات رئيسية وعشرة معتقلات أصغر. وبالرغم من صعوبة إعطاء أرقام دقيقة، فإن الترحيل طال ما لا يقل عن 90 إلى 100 ألف شخص. بعض المؤرخين يصف الحدث على أنه “إبادة جماعية” حيث أن عدد من قضوا نحبهم تحت هذا القمع وصل إلى 50 ألفا.”

الصراع محوَره الهوية والوطن؛ محافظةٌ عليهما أو امتساخٌ وتفريط. نجح الآباء في لمّ شتات وطنٍ وبناء دولة، والاختبار قائم من جديد.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *