المحنةٌ… وماذا بعد؟

لن يجديٓ نفعاً أن نلتفت إلى الوراء لنمجّد ثورةً، أو نلعن سارقيها، أو المؤامرةَ والضالعين فيها. لقد سقطت الدولة، وتولّى الأمر ثوارٌ ومعارضون سابقون، وانتهازيون لا يغيبون عن المشهد أبداً في مثل هذا المفترق. ودخلت البلادُ أتون حربٍ طاحنة، من أطرافها إرهابٌ وافد ودولٌ ووكلاء لم يبخلوا في تسعيرها بالسلاح والمال والتأجيج الإعلامي. الأٓوْلى في هذا المنحدٓر المنذِر بمآ هو أعظم أن ننأى بالنقاش عما يزيد الصراع حدّةً والتمزق تمزقا. نحتاج أن ننظر في أنفسنا وفي العالم من حولنا، ونتدبّر المتاح من خياراتٍ واقعية، بعيداً عن ترديد التمنيات بديموقراطية من مقاس أممٍ مختلفةٍ تاريخاً وثقافةً وتطوراً مدنياً. والديموقراطية بأشكالها هي كل ذلك. لننظر في مقدمات تأسيس دولة تُبني على مبادئ عقد اجتماعي جديد ناظمٍ لعلاقاتٍ توفر الأمن والكرامة والاحتكام للقانون يقف أمامه المواطنون متساوين. لننظر في التأسيس لمستقبلٍ يحقق مطالب الناس؛ والأمن في حالتنا الراهنة في مقدمتها. أما الطقوس الانتخابية بذاتها فلن تفرز ـ قياساً – نتيجةً أفضل من سابقاتها الثلاثة.

الواقع المُعاش 

نعيش واقعاً تسوده العصبية للقبيلة وللمدينة والجهة، والتعصبُ للرأي؛ ظهرت فيه تياراتٌ وافدة اتخذ بعضها من التكفير والتوحّش سبيلاً لفرض طريقته على الجميع. وظهرت الجريمة العارية من كل ادّعاءٍ تستتِر وراءه، نهجُها سطوٌ وخطفٌ وتغييب وابتزاز وقتل. وتوسعت دائرة الفساد من الارتشاء وسرقة المال العام وتعمّقت، ممتدّةً من أعلى مستويات السلطة إلى أصغر الموظفين. سرقوا المال العام وزرعوا إخطبوطاً من الأقارب والمعارف والأصهار في السفارات والمٓحافِظ والمؤسسات والشركات. قرّروا لأنفسهم مرتباتٍ مضخّمةً وبدلاتِ سفر وانتقال وسكنٍ في المنتجعات وتعليمٍ للأولاد خارج البلاد. نهبوا المال العام في تعويضات عن سنوات النضال في المنافي والسجون، وفي صفقاتٍ وتحويلاتٍ واعتمادات. انقسمت السلطة إلى سلطات وغاب الحساب، فانهارت هياكل الدولة وأرصدتُها وعُمْلتها واقتصادها وهيبتها أمام الناس، ورأينا قادة الأمر فيها تابعين لاستعمارٍ قديم ولهذا أو ذاك من دولٍ ومشيخات. هامٓ المواطن على وجهه تحت الخوف والفقر وضياع المدّخرات والغلاء والإظلام وغياب القانون.   

السلاح في يد كل طامعٍ ودعيٍّ، وهو أيضاً في أيدي مواطنٍين يريدون حماية أنفسهم وأموالهم وأعراضهم من فتك كل أولئك. تشكّلت جماعاتٌ مسلحة من الثوار وغيرِ الثوار، خارج إطار الدولة وفي تحالفاتٍ مع أصحاب المال والكيانات بتوجهاتها الحزبية والقبلية والجهوية والدينية المختلفة. ورضخت ’الدولة’، أو هي أرادت أو جاملت وحابت، فأصبحت المموِّل للجماعات المسلحة والمتعلّقَ بحمايتها.

وتطوّر المشهد مختلفاً عما كان عليه قبل سنة 2014. خاض الجيش في الشرق حرباً استمرّت ثلاث سنواتٍ كلّفت آلاف الضحايا ودماراً كبيراً، أنهت إلى حد كبير وجود الجماعات المسلحة وأضعفت بنتائجها ما بقي من تأثيرٍ للإسلام السياسي. وكان للدعم الذي تلقته الجماعات المسلحة في بنغازي من الجماعات المناظرة لها والمتعاطفة معها غربَ البلاد أثرُه في إطالةِ أمد الحرب والنيْل من الوحدة الوطنية.  وفي غرب البلاد فشل المجلس الرئاسي في تنفيذ أحكام الاتفاق السياسي بشأن الجماعات المسلحة، وقبِل، على العكس من ذلك، بالعيش في كنف بعضها ممسكاً عن إضفاء صفة الشرعية (؟) على بعضها الآخر. وقد أدت الخارطة الجديدة للقوى على الأرض وصراعاتُ الأطراف من أجل الاحتفاظ بقسطٍ من السلطة والاستئثار بالمكاسب متمسّكين بشرعياتٍ موهومة، إلى انقسام المؤسسات، وتهديدٍ حقيقي لوحدة البلاد، وإطالةٍ لأمد اضطراب الأمن فيها. وظلّ الجنوب منسياً رغم شقاء الحياة اليومية وخطورة الوضع الأمني فيه والمستجدات الديموغرافية المهدّدة لوجود الوطن ذاته.

وليبيا، بموقعها ومواردها الطبيعية والتهديد الذي يمكن أن ينبعث منها والمصالح التي تتأثر بها، في حال القوة كما في حال الضعف، في محلّ تنافسٍ وتدخلاتٍ دولية مستمرة. رأينا إيطاليا على وجه الخصوص تتدخّل بشكلٍ فجٍّ يعود بأصوله إلى تصوّر ليبيا شاطئاً رابعاً لها وإلى أطماعٍ في إقليم طرابلس على وجه التحديد تذكِّر بسعيها للوصاية على الإقليم إبّـان فترة الإعداد لاستقلال البلاد. التواجد الإيطالي في هيئة قواعد عسكرية بحرية وبرية ومصالح إيطاليا التي لا تُنكر في إمدادها بالطاقة من غرب البلاد تمثل تهديداً إضافياً بانقسام البلاد أو تقسيمها، فضلاً عن مخاطر توطين المهاجرين وضياع الوطن. 

محطتان أمميتان

للمنتظم الأممي محطتان بارزتان في تاريخ ليبيا. المحطة الأولى جاءت إثر الحرب العالمية الثانية واندحار الاستعمار الإيطالي. نصّ قرار الجمعية العمومية رقم 289 الصادر في 21 نوفمبر1949، بأن تكون ليبيا المكوَّنَة من توحيد برقة وطرابلس وفزان دولة مستقلةً ذات سيادة، وأن يُنجز استقلالها قبل 1 يناير 1952. وتحقيقاً لهذا الهدف، عيّنت الأمم المتحدة الدبلوماسي الهولندي أدريان بلت مندوباً لها في ليبيا وأنشأت مجلساً استشارياً من عشرة أعضاء، سبعةٌ منهم عينتهم الأمم المتحدة ممثلين لمصر وفرنسا وإيطاليا والباكستان وبريطانيا والولايات المتحدة، وأربعةٌ مثّـلوا الأقاليم الثلاثة والأقليات. كانت المهمة صعبةً بالنظر للمصالح الدولية المتنافسة – وإن كان لذلك التنافس وجهه الإيجابي – وللفقر والتخلف المادي الناتجيْن عن استعمارٍ استيطاني فاشيّ تعمّد الإفقار والتجهيل ووصل بمواجهته للمقاومة حدّ التهجير إلى معسكرات إبادةٍ جماعية. وتم بالفعل إعلان المملكة الليبية المتحدة دولةً مستقلة في 24 ديسمبر 1951. نتذكّر بعظيم التقدير في هذا المفترق جهود رجال وطنيين مخلصين منكرين لذاتهم، لم يسعوْا لمكاسب أو مناصب؛ لم يزايدوا في تديّنٍ أو حبٍّ للوطن؛ همّهم كان بناء الدولة الليبية المستقلة.  ونتذكّر أيضاً الأداء الرفيع لأدريان بلت الذي كان محلَّ تقدير الدولة الوليدة حين أطلقت اسمه على اثنين من أهم شوارع طرابلس وبنغازي هما كورنيش طرابلس وشارع عبد المنعم رياض في بنغازي كما أعيدت تسميته بعد سبتمبر 1969.

وجاءت المحطةٌ الأممية الثانيةٌ بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1973 بفرض حظر جوي وحماية المدنيين بعد اندلاع انتفاضة فبراير 2011. تدخلت دول حلف الأطلسي فأنقذت مدينة بنغازي من الرتل الجرار المتوعّد لها، واستمرت حملتها أكثر من ستة أشهر دعمت خلالها الثوار، ودمرت القدرات العسكرية للدولة الليبية، وكانت العامل الأساس في الإطاحة بالنظام.

انصبّ جهد البعثة الأممية لإعادة الاستقرار في ليبيا على تنصيب منظومة حكمٍ يكون للإسلام السياسي فيها حصةٌ وازنة تحت شعار ‘تقاسم السلطة’ الذي تم إبداله فيما بعد إلى شعار ‘التوافق’، رغم ضآلة نتائج ذلك التيار في المناطق كلها من دون تمييز في ثلاثة انتخابات وطنية متتالية. أطلقت البعثة الأممية حواراً شاركت فيه كياناتٌ وأشخاص مختارون من طرفها، خرج في ختام أعماله باتفاق الصخيرات ومجلسٍ رئاسي مسمىً عكست تركيبته طبيعة مطلب ’تقاسم السلطة‘. لم يكن لمثل ذلك الاتفاق أن ينجح، وما كان لتركيبة المجلس الرئاسي أن تتجاوز حدود قاعدتها في بوستة. والفشل هنا يُسجَّل للأمم المتحدة ومبعوثي أمينها العام المتعاقبين والدول النافذة. وليس في هذا القول تبرئةٌ لليبيين بنُخبهم وأعيانهم وممثليهم المنتخبين والناخبين. يبقى الليبيون المسؤولٓ الأول عن محنتهم.

محطةٌ أممية ثالثة

من الصعب أن تتفق الأطراف الليبية من جماعات مسلحة وأحزاب وطلاب سلطة وأصحاب أموال جمعوها بين عهدين، على طريق واحد يحقق جمع السلاح وحلّ التشكيلات المسلحة، الخطوة الأولى نحو الاستقرار وإقامة الدولة. لذلك، وبالنظر للمصالح الأجنبية المتشابكة في ليبيا، سيبقى للجهد الأمميّ دورٌ محوري. كان للقوى الدولية دورٌ كبير على مدى السنوات الماضية في تسعير الصراعات الليبية تمويلاً وتسليحاً وتحريضاً. وبالإمكان، إذا ما توفرت الإرادة، أن يتحوّل ذلك الدور إلى إعادة الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة بما في ذلك مؤسسةٌ عسكرية حرفية جامعة وتقديم الدعم اللازم لبسط الأمن وجمع السلاح وحل الجماعات المسلحة.

هل ستكون المحطة الأممية الثالثة مختلفةً عن الثانية؟ نتمنى أن تكون أشبه في نتائجها بالأولى: تأسيس دولة دستوريةٍ مستقلةٍ وموحَّدة التراب.

وماذا بعد؟

ليبيا بحاجة إلى مواجهةٍ شجاعة لأسباب المحنة وتعقيدات الواقع والكفّ عن الالتفاف حولها تحت عناوين خادعة من قبيل تحقيق التوافق بين أضدادٍ أو ديموقراطيةٍ لا نملك مقوماتها فلا نتجاوز طقوسها، ولا هي تملك للبلاد خروجاً من محنتها في غياب الدولة. ليبيا بحاجةٍ إلى رادعٍ يضع حداً لطغيان السلاح المنفلت، يتمثل في جيشٍ وطنيٍّ تحت سلطةٌ وطنية ممثِّلةٌ تمثيلاً حقيقياً لليبيين وتوجّهاتهم، لا تشوبها شبهةُ فسادٍ أو تعصبٍ لحزبٍ أو قبيلة، أو تبعيةٌ لقوى ومصالح أجنبية، والبناء المتدرّج للدولة الجديدة. إن ضخامة الأخطار تتطلب مواجهتها لا الهروب منها تحت شعاراتٍ مثالية أو نحو أهدافٍ، هي في ظل المحنة القائمة، بعيدة المنال.

لقد تطوّر المشهد الليبي بدرجة كبيرة جداً وعلى مساراتٍ متعددةٍ متوازية. في وقتٍ سابقٍ كان في رفض الفدرالية حرصٌ على وحدة البلاد وخشيةٌ من الانزلاق إلى الانقسام. أما اليوم وقد استجدّ على الأرض وللنسيج الاجتماعي ما استجد، فإن الحرص على وحدة البلاد والخشية من انقسامها يضغطان في اتجاه النظر الجاد في الفدرالية شكلاً للدولة الجديدة. لقد استمرت الدولة المركزية لثمانيةٍ وأربعين عاماً، ومن ثَمَّ سقطت الدولة واشتعلت حروب، ولم تعد الدولة المركزية قابلةً للاستمرار رغم محاولات التخفيف من سلطتها ومن تثبيطها لروح المشاركة في صنع القرارات والمبادرة في قضايا الشأن العام. كثيراً ما نصل متأخرين. ربما كان في مشروع الدستور الأخير علاجاً لو تمّ إعداده قبل أحداث سنة 2014 وما بعدها.   

وينبغي ألا نهرب من مواجهة حقيقة ترهّل مؤسسات ’الدولة‘ وفسادها وتدنّي كفاءتها، والكارثة المالية وانهيار الاقتصاد اللذيْن حلّا بها، وأن نقرّ بالحاجة إلى المساعدة القوية لمواجهتها. سيكون للمجتمع الدولي دورٌ ضروري في إعادة بناء المؤسسات على قاعدةٍ من الحوكمة الرشيدة، تحترم القانون، وتحفظ المال، وتكافح الفساد والمحاباة والجهوية، وترفع كفاءة الأداء وتقرّب الخدمات من طلابها ومستحقيها. تلك، لا غيرها، ستكون ثورة.

ندعو الله أن يريد بنا رَشَدا، وأن يحفظ ليبيا حرّةً موحّدة التراب.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *