عندما يُعاد تدوير ذات المُدخلات

كان للمجموعة الدولية دور المرشد والراعي لعملية انتقال البلاد من فوضى ما بعد الثورة إلى الاستقرار وبناء الدولة. وجرى العمل على رسم طريقٍ يُفضي إلى توافقٍ وطنيٍّ تلتئم تحته مختلف الرؤى والتوجهات والشرائح. كانت الخطوة الأولى في هذا السبيل قانونُ الانتخاب بما تضمّنه من قوائم وحصصٍ و’بواقٍ‘، منتجاً – ومع الاختيار الحرّ للناخبين – المؤتمرَ الوطنيَّ العام بتشكيلته التي نعرف وبأدائه الكارثي الذي نعيش عواقبه، ومجلسَ النواب بقيادته ومداوميه ومقاطعيه الذين نعرف مثلما نعرف عجزهم في النهاية عن أداء شيء وانخراطَ الكثيرين جداً جداً من أعضائه – وأعضاء المؤتمر من قبلهم – في الهرولة وراء المغانم.  

وتمّ التسويق لتقاسم السلطة بين الساعين إليها – ومنهم ذوو ارتباطات خارجية – مدخلاً إلزامياً نحو الاستقرار، ومن ثّمّ توليد اتفاقٍ سياسي يحتمل أوجهاً تُرضي الجميع كما يحمل في باطنه بذور تناحرهم. توافقٌ من هذا النوع يُضعِف القدرة على اتخاذ القرارات الوطنية الحاسمة اللازمة لخروج البلاد من مأزقها كما يُبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية بين أطرافه المتشاحنين المختارين أو المدعومين من الخارج أساساً. واستمر التشبث بتوافق الصخيرات حتى آخر رمق من قبل الدول ومن الأجسام التي أنتجها والأحزاب والجماعات التي قبلت به ونادت إليه. وخرج عن ذلك النسق نواة الجيش الذي خاض حرباً في الشرق؛ كسبها واشتدّ عوده من خلالها حتى فرض نفسه لاعباً من خارج أجسام تلك التوافقات والمحاصصات.

ويعود نفس اللاعبين إلى ميدان تقاسم السلطة والمغانم من جديد، تحت قيادة مايسترو يتمتع بثقةٍ ومَسحةٍ من التفاؤل لدى الليبيين لم يكن لأسلافه شيءٌ منها. إن ما يدور في فنادق تونس من مساوماتٍ وإبرامِ صفقاتٍ حزبية وجهوية وشخصية لا يطمئن بأن النتيجة في خاتمتها ستأخذ بالبلاد إلى برّ النجاة، فالأمور محكومة بمقدماتها. إن فلسفة المرحلة الجديدة التي يجري التحضير لها لم تخرج عن إطار ’التوافق بين الأضداد‘، ولا اختلف اللاعبون بعصبياتهم وارتباطاتهم وسعيهم – إلا ما رحم ربي – لتحقيق المغانم من أموالٍ ومكاسب في كل اتجاه، قليل من الحياء – في غياب القانون والحساب – كان سيحول بينهم وبين مدِّ اليد إليها.

ستبقى نتيجة ذات المعادلة وعناصرها دون تغيير مهما أعدنا الحساب. الخروج من المأزق يتطلب نموذجاً مختلفاً عن الذي يجري الإعداد له.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *