الجريمة والإفلات من العقاب طريقاً إلى المال والسلطة

غرِقَتْ إندونيسيا ما بين سنتي 1965 و1966 في حمّام دمٍ مكّن لانقلابٍ أطاح بالرئيس سوكارنو وأتى بالجنرال سوهارتو؛ كان بعلمٍ ومباركةٍ من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا على وجه الخصوص حسب التقارير والوثائق. ارتُكبت في تلك الفترة جرائمُ ضدّ الإنسانية قُتل فيها نصف مليون في أقل التقديرات وما بين مليون ومليونين في بعضها الآخر؛ ارتُكِبت مجازرُ وانتهاكاتٌ وأُحرقت ممتلكات. المستهدَفون كانوا الشيوعيين – في إندونيسيا وقتها ثالث أكبر حزب شيوعي بعد الحزبين الصيني والروسي – ويساريِّـين وناشطين سياسيين والسكانَ من عرقٍ صيني (بتسميتهم خونة، ولوضع اليد على أموالهم)، وصُوِّرت الشيوعية شيطاناً وجب استئصاله. يُقدّر عدد من قُتلوا بنصف مليون أو مليونٍ أو مليونين من البشر، إضافةً إلى الترويع والنهب والابتزاز والاغتصاب وتدمير الممتلكات على نطاق لم يترك لأحد عذر الجهل به. مثالٌ للمصالح العارية من الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، والأمثلة في عالمنا كثيرة رغم حلو الكلام.

استقر الحكم للجنرال سوهارتو لمدة اثنين وثلاثين عاماً. وأفلت الجُناة من مليشياتٍ وعصابات ومنظمات شبابية ودينية من العقاب، وانفتحت لهم أبواب السلطة شركاءَ في “النظام الجديد”، فهم ’الأحرار‘ الذين على أيديهم تخلّصت البلاد من بلاءٍ عظيم.

زيارةٌ للماضي

جوشوا أوبنهايمر مخرجٌ سينمائي أمريكي شاب ذهب إلى إندونيسيا في عملٍ تسجيلي يتعلق بتكوين نقابةٍ للعمال الزراعيين في شمال سومطرة. وجد أوبنهايمر العمالَ مترددين في الحديث خوفاً من تنظيم الشباب “بانكاسيلا” النافذ في شمال سومطرة وغيرها من المناطق منذ مشاركته في جرائم سنتي 65-1966. عندها انفتح أمام أوبنهايمر مشروعٌ أكبر وأخطر: أحداث 1965-66. الناجون من الخوف لا يتكلمون، فليبحث عن الحقيقة من عند الجلّادين؛ قد يتحدّثون. وهذا ما حدث.

بدأ أوبنهايمر مشروعه بالاتصال برجال العصابات فكانت المفاجأة بانفتاحهم للحديث عن أفعالهم. تحدثوا متباهين بما قاموا به من جرائم، وفي وجود زوجاتهم وأقاربهم واصدقائهم وأحفادهم. كانوا فخورين بما فعلوا مبادرين برواية كلّ التفاصيل. وبدأ مشروع أوبنهايمر يتشكّل: ماذا لو شارك هؤلاء في رواية قصصهم في فيلم، وماذا لو قبلوا تمثيل مشاركاتهم في تلك الأحداث بأنفسهم؟ وهذا ما كان.

استغرق التصوير خمس سنوات، وإعداد الفيلم ثلاثَ سنوات، والتسجيل مع كل مشارك في الأحداث استطاع الاتصال به سنتين. وتعلُّم أوبنهايمر اللغة الإندونيسية المحلية في تلك الأثناء. انتقلت الكاميرا إلى مواقع الأحداث وشارك رجال العصابات أنفسهم في التصوير. تحدثوا عن جرائمهم بتفاصيلها ومن دون إخفاء شيء، فهم رجال العصابات ’الأحرار‘ المطمئنون لإفلاتهم من العقاب والمشاركون في سلطةٍ كانوا أدوات قيامها.

كوّن أوبنهايمر علاقة شخصية متينةً مع زعيم عصابة اسمه أنور كونجو، واختاره ليكون الشخصية الرئيسية في فيلمه. كان أنور قد قتل المئات. قام بتمثيل عمليات القتل خنقاً بالسلك وبالفأس وبالحرق. رقص كما كان يرقص وروى كيف أنه كان يشرب الخمر ويتعاطى المخدرات وأنه كان معجباً بأفلام هوليوود وبالنجميْن الشهيريْن جون وأين ومارلون براندو. جمع مالاً وحقق قسطاً من السلطة. تشبّه بالنجوم ورأى نفسه مهمّاً مشهوراً مثلهم. أصبح شريكاً في السلطة مطمئناً للإفلات من الحساب.

وانتهى مشروع أوبنهايمر بظهور الفيلم التسجيلي “فعل القتل” للعرض العام سنة 2013.

سباقٌ مع الماضي

ولكن ضحايا أنور كونجو لاحقوه في كوابيس حيّةٍ متجدِّدة. مثّل أنور كابوساً كان فيه هو القتيل على يد أحد ضحاياه وبذات الطريقة. عرض أوبنهايمر المشهد على التلفزيون أمام أنور، فإذا به ينادى حفيديْه ويشاهد المقطع وقد احتضنهما على حِجره! وبكى أنور.

ربما كان في التّباهي دفاعٌ يواجه به الجناة المطمئنون للإفلات من العقاب نظراتِ الآخر، وتشكيلٌ لصورة الأبطال ’الأحرار‘ التي يُسقطونها على سِـيَرهم. ولكن كوابيس أنور تحكي جانباً آخر. ذلك التباهي لم يكن غيرَ قشرةٍ تُخفي إدراكاً للحقيقة ورُعباً من يومٍ يكون فيه الماضي المطارِد ماثلاً أمامهم.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *