اعترافٌ له ما قبله وما بعده

للحكومات والمؤسسات غاياتٌ هي السبب في وجودها وشرعية استمراها. ويأتي العمل من أجل تحقيق الغايات في سياقٍ من التخطيط والإعداد والتهيئة وتحيّن الفرص وتوظيف المستجدات. توضع السياسات وتُشكَّل المواقف والعَـيْنُ لا تتحول عن الغاية. المواقف غير منفصلة عن بعضها البعض ولا هي منعزلةً عن السياق. في هذا الإطار يأتي اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل؛ وخارج هذا الإطار تقع ردّود الأفعال العربية. الحكومات العربية بعضها ضالعٌ في المؤامرة والأخر عاجزٌ عن الفعل، والجماهير والتنظيمات لا تملك غير التعبير العفوي في عاصفة لا تلبث أن تفقد زخمها وتخبو.

مرت بالأمة في نصف القرن الماضي أحداثٌ جسام، بدءاً بانكسار عام 1967؛ تلاه تراجعٌ عن الغايات وعن القِيم الوطنية والأخلاقية المؤسِّسة لها، وكأنّ العيب كان فيها وليس في أدوات العمل لتحقيقها. فكان ما رأيناه من استسلام وتصالحٍ وتنكّرٍ للتاريخ والمقدسات وقوافل الشهداء وآلام المشرَّدين، وظهورِ طبقة منتفعة دافعة للنهج الجديد مدافعةٍ عنه.

فقدت تلك الفترة زخمها ولم يعد بالإمكان توظيف أدواتها لتوسيع دائرة الاستسلام إلى أبعد مما تم تحقيقه، بل ربما كان هناك تخوّف من تنامي تيارٍ مضاد.

كان الاستبداد والفساد السِّـمتيْن البارزتيْن للأنظمة العربية، وكانت الرغبة الشعبية عارمةً للتخلص منها وإحلال نُظم ديموقراطية محلَّها. انطلق الربيع العربي – أو أُطلِق – من تونس فكان مدخلا لهدم أركان الدول وتدمير مؤسساتها واقتصاداتها، وظهور ميليشيات مسلحة وتيارات دينية عدمية. وما كان غزو العراق غيرَ حلقةٍ أولى مبكِّرة من ذات الربيع. دُمِّـرت قدراتٌ ومؤسساتٌ وبنىً تحتية وأُهدِرت ثروات، وهُتكت روابط مجتمعية وأُضعِفت أوصالُ الانتماء الوطني. هُدمت معالمُ ثقافية وحضارية وكأن الفاعلين أرادوا قطع صلات الأمة بتاريخها وبحضاراتٍ ورسالاتٍ وثقافاتٍ أثْرت حضارات العالم بعدها. نُبشت قبور وهُدمت جوامع وزوايا وأديرة. قُتل علماء ودُمِّرت جامعات. تبدّدت الثروات وتغوّل فسادٌ نخر جسد الأمة وأُفقَـر السوادَ الأعظم من الناس. لم يعد العِلم ولا البناء موضوعَاً شاغلاً. أُشعِلت نيران فِتنٍ قومية ومذهبية، واختُطفت البلدان من زمانها عائدةً إلى قديم المدارس والملابس والمفردات. غاصت الأقطار في وحل الربيع، وأصبح لكلّ فردٍ وقبيلٍ شأنٌ يغنيه عن القصص القديمة بأحلامها وأوهامها وأبطالها وأطلالها. وجيء بدُمىً نصِّبت أدواتٍ إلى جانب أدواتٍ أخرى قديمةٍ مجرَّبة.

وأصبح المسرح مهيّئاً لإتمام “صفقة القرن”، بيعٌ أوطانٍ ومقدّساتٍ ومقايضة أراضٍ وانتقال أموال. والقدس خطوةٌ في مسيرة تتبيّن ملامحها وغاياتها يوماً بعد يوم.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *