بين الازدهار والتخلف

(نقلٌ بتصرف)

نوجاليس مدينة بولاية أريزونا بالولايات المتحدة، ونوجاليس مدينة أخرى بالمكسيك. يفصل بين المدينتين سور، ليس أكثر.

في نوجاليس الأمريكية يبلغ معدل دخل الأسرة حوالي 30 ألف دولار أمريكي في العام. غالبية البالغين متحصّلون على شخادة الدراسة الثانوية. الرعاية الصحية جيدة رغم الانتقادات ومتوسط الأعمار مرتفع يبلغ أكثر من 65 عاما. تتوفر فيها شبكات الكهرباء والهواتف والصرف الصحي والطرق على سبيل أنها من المسلمات. يسود في المدينة القانون والنظام العام. يعيشون السكان في أمان دون خوف على حياتهم أو على ممتلكاتهم أو استثماراتهم من السرقة أو المصادرة. السكان يعتقدون أنه بالرغم من كلّ احتمالات الفساد وتدنّي كفاءة الإدارة فإن الحكومة هي وكيلهم وممثلهم، فبأصواتهم جاءت وبأصواتهم يستبدلون عمدة بلديتهم وممثليهم في الكونجرس ويشاركون في الانتخابات الرئاسية. الديموقراطية مكوّن راسخ في حياتهم.

أما على بعد أمتارٍ وراء السور فالحياة مختلفة اختلافاً كبيراً رغم أن السكان يعيشون في مقاطعة سونورا المزدهرة نسبيا بالمقاييس في المكسيك. متوسط دخل الأسرة في نوجاليس المكسيكية لا يتجاوز ثلث الدخل السنوي للأسرة في مدينة نوجالس الأمريكية. غالبية البالغين لم يُتمّوا الدراسة الثانوية، والكثير من الأطفال لا يذهبون إلى المدرسة. الظروف الصحية سيئة ومعدل وفيات الأطفال عالٍ ومتوسط الأعمار أقل.  شبكات الطرق في حالة سيئة، ولا تتوفر لسكان المدينة الكثير من الخدمات. القانون والنظام العام غير مستتبين. معدّل الجريمة عالٍ والنشاطات التجارية محفوفة بالمخاطر من قبيل السطو والرشاوي التي لا مناص منها للحصول على أي ترخيص. يتعايش سكان نوجالس المكسيكية مع الفساد في الإدارة والسياسة بشكل يومي. أما الديموقراطية فهي تجربة حديثة جداً بالنسبة إليهم، فالمكسيك كانت خاضعةً لفساد حكم الحزب الثوري بْرِي حتى سنة 2011.

الاختلافات بين المدينتين كبيرة جداً رغم عدم وجود اختلافات جغرافية أو مناخية أو من ناحية الأمراض المستوطنة.

ربما كان هناك اختلاف بين السكان هنا وهناك! في الشمال هم أحفاد المهاجرين الأوروبيين، والسكان في الجنوب منحدرون من قبائل الأزتك، مثلاً؟! لا، ليس الأمر كذلك، فالمنطقة المحيطة بالمدينتيْن بعد استقلال المكسيك عن أسبانيا عام 1821 كانت جزءاً من نفس الولاية المكسيكية – ولاية فييجا كاليفورنيا – ولم تمتد حدود الولايات المتحدة داخل هذه المنطقة وتُنشأ مدينتا نوجاليس إلا عام 1853. سكان المدينتين ينحدرون من نفس الأسلاف ويتناولون نفس الأطعمة ويَطربون لنفس الموسيقى حتى يمكن القول أنّ لهم نفس الأصول “الثقافية”.    

التفسير الواضح لهذه الفوارق يكمن في أن سكان نوجاليس الأمريكية يملكون الحق في التعامل مع مؤسسات اقتصادية تمكّنهم من اختيار مهنهم ووظائفهم بحرية ومن التعليم واكتساب المهارات، وتشجع الأعمال والشركات على الاستثمار في أعلى وسائل التكنولوجيا، وهو ما يؤدي والذي بدوره يؤدي إلى أجور أعلى. ويملك السكان أيضا الحق في الانضمام للعمل بالمؤسسات السياسية، الأمر الذي يسمح لهم بالمشاركة في العملية الديموقراطية التي يقومون عن طريقها باختيار ممثليهم وأن يستبدلوهم متى أساؤوا التصرف. ولذلك يعمل السياسيون لتوفير الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وشبكات طرق واتصالات وكهرباء والارتقاء بمستوياتها، والمحافظة على القانون والنظام العام. أما في نوجالس المكسيكية فإنهم بعيشون في عالم تشكّله مؤسسات تنتج خدماتٍ وفرصاً متدنّية عما عليه الحال في نوجاليس الأمريكية، وليس في وُسعها ما هو أفضل. تلك الفوارق بين المؤسسات في المدينتين (والدولتين) هي ما يؤدي إلى ازدهار الاقتصاد في إحداها وتخلفه في الأخرى.

نقلٌ بتصرف من كتاب “لماذا تفشل الأمم – أصول السلطة والازدهار والفقر” للكاتبين: دارن أسيموجلو و جيمس روبنسون، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية – القاهرة  

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *