القدس والرئيس ترمب

نُصدر الأحكام على سياسات الغير من زاوية نظرنا للتاريخ وقناعاتنا ومصالحنا نحن. نغضب ونصرخ ثمّ ننكمش مستسلمين لشعور عميق بالظلم والاستهداف من طرف المتآمرين. ويتكرر المشهد الصاخب فاضحاً عجزنا عن الفعل أو التغيير في شيء.

أعلن رئيس الولايات المتحدة اعتراف بلاده بالقدس عاصمةً لإسرائيل ماضياً في تنفيذ قرارٍ صادر بأغلبية ساحقة في مجلسيْ الكونجرس سنة 1995، سنتين فقط بعد توقيع الفلسطينيين لاتفاق أوسلو. اعتباراتٌ عميقة التأثير ومتعددة الجوانب تلك التي تحكم التوجهات السياسية الأمريكية في قضايا المنطقة بدءاً بالقضية الفلسطينية ومروراً بالحرب على العراق والحرب السورية والدفع نحو الحرب بين دولٍ عربية ’سّنّية‘ وإيران ’الشيعية‘ وقائمةٍ طويلة من أحداثٍ جسامٍ تعصف بمنطقتنا ومستقبلها. تلك السياسات تحكمها مصالحُ قوميةٌ وتنافسٌ – شريفٌ وغيرُ شريف – على السلطة، ولا يتجاوز الحقُّ ولا التاريخ فيها دور التوظيف أو التلبيس والتسويغ خدمةً لتلك السياسات.

وفي أحد جوانبه، كان لقرار القدس علاقةٌ بالفرقة المسيحية المعروفة بالإنجيليين وبالمصلحة الانتخابية للرئيس ترمب. ليس للإنجيليّة سلطة كنسية مركزية أو تعريفٌ محدّد. الإنجيليون أتباعٌ لكنائس وطوائف مسيحية مختلفة وإن ظهرت لهم في الولايات المتحدة تنظيماتٌ تحت عناوين وشعارات مثل ’الائتلاف المسيحي‘ و’غالبية التوجّه الأخلاقي‘. الإنجيلية تصنيفٌ اجتماعي عند البعض، وهي مُعتقدٌ إيماني لرجل الكنيسة، وفي السياسة الإنجيليون في عمومهم مسيحيٌّون محافظون جمهوريٌون. القاعدة الأساس عندهم هي الإيمان بالنص الإنجيلي بأن السيد المسيح هو مخلِّص الإنسانية ونبوءة ’عودة‘ اليهود إلى الأرض المقدسة وبناء هيكلهم – مكان الحرم الشريف – كشرطٍ  لعودته. وباختلاف التعريفات تتباين التقديرات لعدد الإنجيليين في الولايات المتحدة، والتي ربما كانت قريبة من 25٪ من السكان.

يمثل الإنجيليون الأساس الصلب للقاعدة الانتخابية التي دفعت بترامب إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية الماضية، مصوّتين لصالحه بنسبة فاقت نسب تصويتهم لأي رئيسٍ قبله بمن فيهم بوش الابن، الإنجيلي. ويعمل ترمب الرئيس ما في وسعه لإرضاء الإنجيليين في قضايا تستحوذ على اهتمامهم مثل الإجهاض والتعيينات القضائية. رغبة الإنجيليين في سيطرة اليهود على مدينة القدس ترتكز على معتقداتهم الدينية مثلما ألمح مايك بنس، الإنجيلي، نائب الرئيس. وذلك ما يجعل أي حسابٍ للآثار السياسية المحتملة واستثارة للعرب والمسلمين والإضرارٍ بما يُسمى عملية السلام أموراً ثانويةً باهتة.

اللافت في علاقة الرئيس ترمب بالإنجيليين هو أن سلوكه والقيَم الموجِّهة لتصرفاته بعيدةٌ كلّ البعد عن النموذج الأخلاقي المسيحي. ورغم ذلك صوّتوا له واستمرّوا في دعمه، ويواصل هو إرضاءَهم بتنفيذ أجندتهم الدينية. هي علاقة نفاقٍ ومصالح متبادلة، ومثالٌ من عالمٍ آخر لتوظيف المعتقدات الدينية في خدمة السلطة.   

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *