متفقون حول الغاية… كيف تكون البداية؟

خرج الليبيون في فبراير 2011 طلباً لنهاية عهدٍ من استبداد الفرد طبعت السنوات الأخيرة منه مخاوف مما قد يكون قادما على يد الأبناء. أرادوا نهايةً لحكم الفرد واستئثار فئةٍ بموارد البلاد، وللفساد وانحدار مستويات التعليم والصحة والمرافق العامة. الغد المأمول هو ذلك الذي سيطلق الحريات ويبني دولة القانون والمؤسسات والحريات وكرامة الإنسان والعدالة والمساواة. ولكن انتفاضة فبراير لم تكن حدثاً ليبياً خالصاً، فقد كان للأجنبي دورٌ أساسيٌّ في تطوّرها وتشكيل ما آلت إليه، سواءً كان ذلك في إطار المؤامرة أو استغلال الحدث لتحقيق مآرب مرسومة، وكان لوجوهٍ وتياراتٍ ليبية دورها في تعزيز التدخل الأجنبي طمعاً في صدارة المشهد السياسي والغنائمي القادم.

وقعت البلاد في الشَّرَك، وانتهت إلى ما نراه من دمارِ المؤسسات وانتشارِ السلاح وسطوةِ المسلَّحين وظهور الإرهاب وتعطّلِ القضاء وتغوّلِ الفساد وتدهورِ الدينار وتفشّي البطالة؛ وبؤس الحياة تحت وطأة غياب الأمن والإفلات من العقاب وغلاء الأسعار ونقص السلع وانقطاع الكهرباء والماء.

وارتفعت موجات الهجرة غير القانونية مصحوبةً بتدخّلٍ وإملاءاتٍ استعمارية جديدة، إيطالية على وجه الخصوص، مسفِرةٍ عن وجهها القديم بتواجد عسكري على الأرض وفي المياه الليبية. ويمثُـل أمامنا خطرُ أن تتسلسل حلقات هذا التدخل إلى توطين المهاجرين وضياع الوطن.

في ظل كل هذا الدمار ونتيجةً له وقعت البلاد في يد مجموعةٍ دوليةٍ غربية لها مصالحها في ثروات البلاد تحت الأرض وعبر البحر، وفي موقعها بين أفريقيا والبحر المتوسط من جهة، وبين شرق المنطقة العربية وغربها. هذه المجموعة هي القائد لعملية الانتقال تحت مظلة أممية، أسلحتها إملاءٌ وتهديدٌ وإغواءٌ لضعاف النفوس. لقد تفاءل بعضنا خيراً بالمبعوث الجديد ومنّى النفس بانفراجٍ قريب، ولكن اللاعبين، من ليبيين متنابذين وذات المجموعة الدولية، لم يغيّروا، واستمرّ ذات العرض القديم بذات أبطاله وعلى ذات خشبات فنادقه في أرجاء العالم.

حجر الأساس في الخطة الجارية انتخاباتٌ تشريعية ورئاسية بدأ الإعداد لها من دون خطواتٍ جادّة لضمان الأمن الذي لا غِنى عنه لسلامة أيّ عملية انتخابية وعدم الانقلاب على نتائجها كما حدث في الانتخابات التشريعية الماضية. حَـلُّ الجماعات المسلحة وجمع السلاح شرطٌ أساسيٌّ وبديهيٌّ ليس بالإمكان الالتفاف عليه، ولا تبدو في الأفق خطواتٌ لتحقيقه.

ورغم عمق المأساة وبؤس الحياة تبقى الديموقراطية ودولة القانون والمؤسسات حلماً يطمح الجميع إلى تحقيقه. ذلك الحُلُم دونه طريقٌ طويل وأجيالٌ من العمل الوطني، طبقةً فوق طبقة، من بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سلطة القانون ومنظومة قِـيَم مجتمعية سويّةٍ محفِّزةٍ للعمل والتكاتف والتسامح وقبول الآخر، والارتقاء بالتعليم مُحتوىً ومكانة. في هذا الوقت الفارق، يتعيّن النظر في مشاريع عملية لوضع الخُطى على ذلك الطريق الطويل. ليس مقبولاً الاكتفاء بترديد شعارات الدولة الحلم دون اعتبارٍ للحالة السائدة من انقسام وتطرّف ومغالبة وصراعات مسلحة وارتهان للأجنبي وانهيارٍ شاملٍ لمؤسسات الدولة؛ ذلك ترفٌ يليق فقط بمن ليسوا في عَجلةٍ مما حلّ بالبلاد من دمارٍ وموتٍ وفقرٍ وبؤس حياة.

كيف؟ وليس ماذا؟ ذلك هو السؤال.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *