إنزلاق ليبيا البطيء نحو الاحتواء

فيما يلي ترجمة لمقالٍ في مجلة فوربز لكاتبه إيثَن نشورِن.

يشير الكاتب إلى تحوّلٍ محتمل في سياسة ’المجموعة الدولية‘ في العام القادم من العمل لتحقيق الاستقرار في ليبيا إلى الاكتفاء باحتواء الوضع القائم.

أرى أن مثل هذا التحول قائمٌ بالفعل وأن مصالح اللاعبين الرئيسيين من دولٍ، ومن ليبيين متصدّرين للمشهد السياسي بمختلف صفاتهم وانتماءاتهم. ضخّ النفط وتدفق الغاز إلى إيطاليا مستمران بشكلٍ طبيعي، ولا نرى درجةً هامةً من الإرهاب في أوروبا مصدره ليبيا. وبالنسبة للكثيرين من اللاعبين الليبيين – حتى لا نقول جميعهم – فلا مصالح شخصية لهم في فقْدِ مكاسبهم ومزاياهم وقيام سلطاتٍ قادرةٍ قد تحاسب وتتابع. الكثيرون سيقومون بالمطلوب منهم لاستمرار ’الاحتواء‘ من زاوية نظر الدول وزاوية مصالحهم الخاصة، وإن اقترن ذلك بإطالة العناء.

إن بؤس المواطن الليبي العادي والمعاناة الطاحنة لحياته ومستقبل أولاده ليست أعظم مما يمرّ باليمن – موتٌ ومجاعة وحالات الكوليرا وصلت المليون – ولا من الدمار والموت والنزوح في سوريا، أو التطهير العرقي في ميانمار. الخلاص بيد الليبيين وحدهم إن أرادوا خلاصاً وحكّموا العقل.

تقدّم ليبيا البطيء نحو الاحتواء

بقلم إيثَن تشورِن

على مجلة فوربز الأمريكية بتاريخ 22 ديسمبر 2017

ترجمة نورالدين الثلثي، بإذنٍ من الكاتب

قد تكون سنة 2018 العامَ الذي فيه تضع المجموعة الدولية جانباً جهودَها للتعجيل بقيام حكومة مستقرة في ليبيا، وتتحوّل بدلاً من ذلك نحو الاحتواء حيث تكون الأهداف الرئيسية هي الهجرة غير القانونية وتنامي التطرف العنيف. وعند ذلك لن يمثّل حلولُ تاريخٍ نهائي لتنفيذ “الاتفاق السياسي الليبي” الذي أنشأته الأمم المتحدة – وهو التاريخ الذي حلّ الأسبوع الماضي – شرارةَ الانطلاق بقدر حقيقة أن في الاحتواء ضمانةٌ أكبر لمصالح عدد من الدول الأجنبية في ظلّ الوضع القائم.

كان يُفترض أن يُطلق الاتفاق السياسي الليبي الذي انتهت إليه سلسلة من المفاوضات التي استضافتها الأمم المتحدة في ليبيا والمغرب سنة 2015، حكومةَ وفاقٍ وطني تتكوّن من ثلاثة أجسام، هي: مجلس دولة يتكون من عدد من أعضاء الحكومة المنتخبة سنة 2012، ومجلسٍ رئاسيٍّ يتكون من رئيسٍ وخمسة نواب للرئيس وثلاثة وزراء، وهيئةٍ تشريعية في شكل الحكومة التي مقرّها في شرق البلاد وهي مجلس النواب. في الوقت الذي لا يمكن القول بأن مجلس النواب قائمٌ بوظائفه كاملةً، إلا انه هو آخرُ الأجسام الليبية المنتخبة شعبياً، وكان يُفترض أن يُضفي الشرعية على حكومة الوحدة الوطنية عبر التصويت باعتمادها.

ولكن مجلس النواب، ولعدد من الأسباب لا تتعلق جميعها بالاتفاق السياسي نفسه، كان ثابتاً في رفضه اعتماد حكومة الوفاق الوطني – وليس الاتفاق السياسي واضحاً فيما يترتب على هذه الحالة.

من الواضح أن المجموعة الدولية تفضّل التمسّكَ بعدم أهمية التواريخ ومواصلةَ الدعم لحكومة الوفاق الوطني وإن أظهر التحليل العميق أن الاتفاق يُعتبر الآن غيرَ سارٍ ويجب إبداله بشيء آخر. ولكنّ قليلاً من الإجراءات التي يتضمنها الاتفاق السياسي قد تمّ الالتزام بها من أيٍّ من الأجسام المنبثقة عنه.

ومع تعيين سياسيٍّ وأكاديمي لبناني بارز هو غسان سلامة مبعوثاً أممياً جديداً إلى ليبيا، تبدو الأمم المتحدة قد اعترفت بأن عملية “الاتفاق السياسي” قد خرجت عن المسار وأن هناك حاجةً لابتكار شيءٍ جديد وبشكلٍ عاجل. غسان سلامة شخصٌ ضليعٌ في أزمات الحكم والمعارك بالوكالة التي واجهها لبنان في الثمانينيات والتسعينيات، ولكنه مقيّدٌ بنفس الديناميّات السياسية التي اعترضت ذلك الصدام بعناد. ولا يريد أيٌّ من الأطراف الخارجية القيام بتحرّكٍ خشية أن يؤدي الوضع الناتج إلى تأثيرٍ سلبيٍّ على مصالحه.

إن لقسمٍ كبيرٍ من أوروبا في الواقع مصلحةٌ في استمرار الانسداد القائم. لقد انخفض تدفّق المهاجرين من جنوب الصحراء بشكلٍ كبير (وإن اعترض الكثيرون – لأسبابٍ أخلاقية وإنسانية – على الإجراءات التي أدّت إلى ذلك الانخفاض)، واستمرت المصالح التجارية (مثل التدفق الذي غير المنقطع للغاز الطبيعي من الحقول البحرية في غرب ليبيا إلى إيطاليا). ومع انخفاض أعداد المهاجرين، تشعر أوروبا بأن الإرهاب الوافد من ليبيا قد انخفض، رغم ضعف المبررات لهذا الاعتقاد.

يستمر خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي – الذي يُعتبر، وبموضوعية، القوةَ الليبية الأكثر تنظيماً – في المحافظة على مؤيديه خاصة في الشرق الليبي، حيث ينسب الكثيرون له الفضلَ في إنقاذ مدنهم من التحوّل إلى ’نُسخٍ مكررةٍ من الرِّقة أو كابول في أسوأ حالاتهما‘. وبدلاً من محاولة ضمّ حفتر والجيش الوطني الليبي إلى حكومة الوفاق الوطني والرقابة المدنية، فقد ذهب “الاتفاق السياسي” إلى وضع كليهما جانباً، مما دفع حفتر وحلفاءه الليبيين نحو مصر وروسيا والسعودية والإمارات بشكلٍ أكبر، التي تجمعها مصلحةٌ مشتركة في محاربة إسلاميين راديكاليين معيّنين ومواجهة توسع إيران والمحافظة على مصالحها الاقتصادية (تأمل مصر أن توفّر ليبيا الغنية بالنفط، مرة أخرى، توظيفاً كبيراً للمواطنين المصريين).

إن التحالفات التكتيكية بين حفتر والعناصر السلفية المُدخلية (الذين يُنظر إليهم محلياً على أنهم أدواتٌ للملكة السعودية) ومذكّرة محكمة الجنايات الدولية ضدّ حليفٍ رئيسيٍّ بتهم جرائم حرب، قد أنقصا من دون شكٍّ بعضاً من التأييد لحفتر. ولكن الكثيرين في بنغازي يقولون إنه بالرغم من كل ذلك، فإن بنغازي وليس طرابلس، هي التي حدث بها التقدّم الأكبر نحو تطبيق الإجراءات القضائية وإنفاذ القانون – وبالرغم من أن كل ذلك نسبي. لقد حاول غسان سلامة أن يدفع بخطة أخيرة من ثلاث مراحل، الغرض منها إصلاح عيوب “الاتفاق السياسي” والتقدم بالبلاد نحو الانتخابات سنة 2018. من جانبه، اتّخذ حفتر من تاريخ 17 ديسمبر فرصةً لإعلان “الاتفاق السياسي” ميتاً. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *