إدارة الشقاء

مُواطنٌ متوسّط الحال يصحب أولادَه صباحاً إلى مدارس ائتمنها على تعليمهم وتهذيبهم وسلامتهم كما يأتمن الآباء مدارس أولادهم في مجتمعات مستقرّةٍ بعيدة. يُطَمئِن نفسَه بأن احتمال الاختطاف بعيد، فهو لا يملك ما قد يبرّر الابتزاز، وإمساك الأولاد عن المدارس في جميع الأحوال ليس أبداً خياراً مطروحاً. باع الرجل سيارته لأنها – بمواصفاتها وحالتها – قد تصبح محطّ نظرٍ وربما عملٍ لا تُحمد عقباه؛ أبْدلَها بأخرى قديمة تحمل آثار الصدمات والحُـفر وعوامل الطبيعة. مدّخراته القليلة أكَلها الارتفاع الجنوني للأسعار، والسحب مما تبقّى في المصرف وما يودع من مرتّبات – متى ’نزلت‘ – يمرّ بمعاناةٍ كبرى وبهدلةٍ وإذلال. السفر من مدينة إلى مدينة يحتاج إلى مسارٍ آمن يتغيّر بتغيّر ظروف الطريق، ويستوجب استذكاراً للمنطقة التي جاء منها جدُّ صاحبنا، والقبيلةِ التي وُلد فيها، وإلا فالطريق قد تقود إلى ما لا تُخمد عقباه. ولشقاء صاحبنا تجلياتٌ عديدة أخرى، فهو يقبع في بيته ساعاتٍ طويلةً في الظلام، ويُمضي الساعات بحثاً عن أسطوانة غاز أو في الطوابير وصولاً إلى مضخة بنزين. وحتى الماء قد ينقطع عن منزله.

وتكتمل الصورة بشطرها الآخر المتمثّل في سطوةٍ أدواتُها مالٌ وسلاحٌ وجريمة وإفلاتٌ من القانون. ولتلك السطوة مظاهرها. ستمرّ بين الحين والحين سيارة فارهة، وتقام بالصالات أفراحٌ باذخة، وتُشترى عقاراتٌ كاش، فالكاش موجود بوفرة. والتحوّط يقتضي افتراض أن من أمامك قد يكون مسلّحاً.

قضيّة أمن المواطن هذه بيَـدِ المترَفين من بني جلدته والمجموعة الدوليةِ أصحابِ مكرُمَة حمايته. يُبرمون اتفاقاتٍ فيما بينهم تحمي مصالح الغرباء، ويتجادلون في اتفاقٍ غيرِ قابلٍ للتطبيق ودستورٍ وانتخابات. على رأس اهتماماتهم وفي صلب خلافاتهم تحاصصُ زعاماتٍ واهمةٍ على المال والسلطة، ومن ورائهم تنافسٌ والتقاءٌ بين مصالح الدول. أما أمن مواطننا متوسط الحال ذلك، والذي من دونه لن تقوم دولة، فهو بعيدٌ عن العواصم والفنادق حيث أصبح التجوال حِرفة. ما يجري على أيدي هؤلاء إلهاءٌ للمواطن وإدارةٌ لمعاناته ليس إلا.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *