عبّود بيك وعمر المختار

كان عبّود بيك أبو راشد، القادم من المشرق العربي، موظفاً بالإدارة الاستعمارية الإيطالية في ليبيا. وكان قد تعرّف على عمر المختار من خلال الترجمة بينه وبين الإيطاليين.  بعث عبّود بيك رسالةً إلى عمر المختار بتاريخ 15 سبتمبر 1925، أشار فيها إلى ما تعانيه البلاد وما لحق بها جرّاء مقاومة الاحتلال، ونَصَحه بالاستسلام لإيطاليا؛ فهي دولةٌ قويةٌ لا يمكن قهرها. وكان عمر المختار قد تلقى العروض سَخيةً بالمال والحماية والاعتراف له بالمكانة الرفيعة في برقة وطرابلس إن اختار الإقامة في البلاد، والمال والرعايةِ إن هو آثر الهجرة؛ شريطة أن يترك الجهاد وينصح الأهالي بالكف عن مواجهة الاحتلال.

ردّ عمر المختار على رسالة عبود بيك برسالةٍ نشرتها جريدة “الوطن” في عددها بتاريخ 21 سبتمبر 1948؛ وَرَدَتْ مقاطعُ منها في كتاب “وثائق جمعية عمر المختار” للأستاذ محمد بشير المغيربي (1)؛ وجدتُ، إضافةً إليها، مقاطعَ على موقع “ويكي الاقتباس” (2)، استعنتُ بها في استحضار الرسالة من دون تدخّلٍ مني فيما عدا إضافة علامات التشكيل والترقيم حيث حسبتها ضرورية لتسهيل قراءة النَّص واستقامتها.

في رسالة المختار عِظةٌ وتذكيرٌ بما يعنيه الجهاد ومقاومة المحتلّ؛ وما يعنيه تسليمُ مقدّرات الأمة له وإن تبدّلت أشكاله وتغيّر خطابه وثيابه. وفي الرسالة انتصارٌ للمبادئ لذاتها وليس من أجل مصالحَ ومنافعَ رخيصةٍ يفرح بها مناضلو الفنادق وساسةُ ’فنون الممكن‘. في ليبيا، كما في فلسطين وحولها، تفيض الساحات بأمثال عبّود بيك؛ يقودون أوطانهم – وأنفسَهم حتماً – إلى الهلاك. ويأبى عمر المختار أن يغيب.

من رسالة عمر المختار:  

من نائب الوكيل العام، عمر المختار، إلى الترجمان عبّود بك أبو راشد،

سلامٌ على من اتّـبع الهدى، وخشِيَ عواقب الرّدَى، وأطاع المَلِكَ الأعلى ربَّ الآخرةِ والأولى.

لولا وجوب رجوع الخطاب لا أخاطبكم. أتى رقيمكم المؤرَّخ في 26 من صفر، وما ذُكِـرَ به علمناه.

قولُكم إنكم من حين قدومِكم لهذا الوطن وأنتم باذلون النّصيحة لأبناء جنسكم، وأنك عربيّ؛ فالنصيحة التي تُؤدِّي إلى الرّكُون للعدوّ لا حاجة لنا بها؛ فنحن متوكلون على الله لأن قوة الإيمان يتلاشى في جانبها كل مَـدَد. قال الله تعالى في كتابه المبين “إن الله مع المتقين.”

وقولكم من جهة تَعَـب الوطنِ وأهلِه، فنحن عارفون مقصدنا؛ ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد.

وقولكم أنّ حكومتكم لا تقصد للعرب إلا الشرف، فالذي رأيناه نحن بخلاف ذلك. عاينّا ذلك معاينةً؛ فكلّ إنسانٍ له شرفٌ وحصل تحت سيطرتهم بمجرَّد أقوالٍ واهية تُنسب إليه من عدوٍّ أو واشٍ، يُسجن بالبُعد عن أهله ووطنه أعواماً من دون مخابرة. وإذا أحسنوا إليه يُترك في زوايا الإهمال وتحت مواطئ النعال. أهذه الأفعالُ أفعالُ حكومةٍ لها شرف؟ لا والله. وكل ما ذُكر منك لا تتحمَّله نفسٌ عربيَّة ولا ذوو الشيم الزكية. وقد نهانا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز؛ قال: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكُمُ النّار.”

وقلتم أتعتقدون أنكم قادرون أن تُبعدوا هذه الحكومة مِن هذه المقاطعة لتحكموا مكانها؛ فالقادرُ هو الله، ولسنا نحن طالبين شيئا يستحيل علينا بحوْلِ اللهِ وقوّتِه. فلتعلَمْ أن حكومتَك هذه لها مدة خمسة عشر سنة وهي آتية لخيط طرابلس وتحارب فيه، والقوة التي أتت بها في أول الحرب الآن ليس لديها منها العُـشْر. والوطن من أول الحرب لم يستعِنْ بإعانةٍ خارجية إلا من الوطن نفسه؛ وبعون الله وقوّته إلى الآن مكدِّرون صفْـوَ جنود إيطاليا في جميع نُقطهم، ورجال الوطن لا يتركونهم بحول الله وقوّته حتى يُطهّروه من أدرانهم أو يضحّوا عن آخرهم، لا سمح الله، وذلك هو مرامُهم: التضحية في سبيل الله والوطن.

وقولكم إنَّ حكومتكم إنْ فَـقَدت ضابطاً تأتي بألفٍ بدَلَه؛ أو فقدت بندقيةً، مَعامِلُها تصنع ملايين؛ فهو كذلك. وعلاوةً على ذلك أسطولات بحرية وبرية وجوية وملايين النفوس، قولكم خمسة وأربعون مليوناً؛ فنحن ليس لنا لها قوةٌ إلا الإيمان والتمسّك بديننا وسنّة نبيّنا، وهو الجهاد لأنه صلى الله عليه وسلم قال: “لكلّ نبيٍّ حِرفة وحِرفتي الجهاد”، ونحن متمسّكون بهذه الحِرفة حتى آخر رَمق. الحيُّ لا يموت إلا [بـِ]أمْرِه. والموت أحلى من حياةٍ مُرَّة. وقولكم إذا ترغبوا الاجتماع بنا للمخاطبة في شأن ما يعود بالرّاحة على الوطن، فلو كان يُجدي لأفاد على يد أهله. فهذا الطّلب لا يوجد عندنا أصلاً، ونحن متمسّكون بحبل الله الأقوى؛ قال الله تعالى: “وكان حقاً علينا نصر المؤمنين”.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *