متوالية ليلٍ طويل

تعاقَب المبعوثون الأمميون على ليبيا بدءاً بعبد الإله الخطيب، ومن بعده إيان مارتن ثم طارق متري فبرناردينو ليون ومارتن كوبلر وأخيراً غسان سلامة. وتعاقب مبعوثون كُثُر ممثّلين لدولهم، كان أوّلَهم سيّءُ الذّكر برنار ليفي.

كان قدوم غسان سلامه مبعثَ تفاؤلٍ تجاوز التقديرَ الواقعي لطبيعة القيود التي تفرضها مصالح الدول الفاعلة وسياساتها. وكان الشعور غالباً بأنه سيكون حتماً متعاطفاً مع الليبيين في محنتهم، ومتماهياً معهم في تطلّعهم لبناء دولة وطنية مستقلة، ينعمون في ظلّها بالأمن وطِيب العيش وكرامة الإنسان. تعاطِي سلامه مع الليبيين واستماعُه لمختلف فئاتهم وفي مختلف مدنهم، وتصريحاتُه العاكسة بدقةٍ لأحوالهم وهواجسهم كانت وراء ذلك التفاؤل. ولكن هل تبدّل المسار العام للقضية الليبية عما كان عليه خلال الفترة السابقة لمجيء السيد سلامه؟

تتمحور خطة سلامة حول اتفاق الصخيرات معدّلاً، والمصالحة الوطنية، والاستفتاء على دستور، وانتخابات تشريعية ورئاسية، وانعقاد ملتقىً وطنيٍّ جامع. هذه الخطة أساسٌ لا بديل له؛ هكذا يُذكّرنا المنتظم الدولي، وتُكرِّر الدول بلهجةٍ حاسمةٍ على مسامعنا.

ليس لإحلال الأمن – أمنِ المواطن والوطن كليهما – المساحةُ التي يستحقها ضِمن هذه العناوين الكبرى. ليس فيها ذكرٌ لبناء جيشٍ وطنيٍّ موحّدٍ ولمؤسساتٍ أمنية، وتفعيلٌ للجهاز القضائي، وجمعٌ للسلاح، واستيعاب المسلحين في الحياة العامة. من دون إحلال الأمن، سيظلّ المواطن غيرَ آمنٍ على حياته وأولاده وممتلكاته، ومن دونه لن يصحّ إنفاذٌ للقانون وإنهاءٌ لحالة الإفلات من العقاب؛ ولا إجراءُ انتخاباتٍ واستفتاءات، ولا بناءُ دولةٍ أو بعثُ اقتصاد. ربما تكون الخطة قد اكتفت بما ورد حول الترتيبات الأمنية في اتفاق الصخيرات، أو اعتبار نجاح تنفيذها مدخلاً له.

اتفاق الصخيرات مَعيبٌ ومنتهَكَ من بداية تنفيذه، والهيئات الرئيسية المنخرطة في محاولات تعديله وتنفيذه – المجلس الرئاسي والبرلمان ومجلس الدولة – هيئاتٌ عاجزة بسبب انقساماتِها، وتضاربِ مصالح وأطماع مكوّناتها، والشكوكِ الحقيقية في شرعية وجودها. لذلك تبقى فرصُ نجاح الخطة، وإحلال الأمن نتيجةً لذلك، ضعيفةً جداً في أقلّ تقدير.

غياب برنامجٍ جادٍّ لإحلال الأمن والبناء عليه يعني استمرارَ الحالِ الراهن بمآسيه المعيشية اليومية، والضياعِ الذي يعيشه الجنوب بناسه وأرضه، والوصايةِ الدولية، والقواتِ الأجنبية على الأرض وفي المياه علاوةً على الأجواء. ما يجري ليس سوى إدارة للمحنة واحتواء لآثارها، ولزمن لن يحدّه سوى نفاد صبر الليبيين على الأذى.

هي متواليةُ دوليةٌ مرشّحة لأن تطول؛ الغرض منها احتواء الشرَر، وتحقيق المصالح في الثروات وعلى الأرض وفي إقليمنا الأوسع، وإن طالت معها محنة الليبيين أنفسهم.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *