جديدٌ قديم

تفاهماتٌ واتفاقاتٌ مع المستعمِر القديم، ودفاعٌ وتبريراتٌ من ساسةٍ ومحلّلين وخبراء في علوم القانون والسياسة والتاريخ. نستمع فنرى كيف أصبح الثابتُ متغيّراً والمقدّسُ موضعَ نظر. يقولون إن ما ارتكبه المستعمِر من تجاوزاتٍ وانتهاكاتٍ قد تجاوزه الزمن؛ لنترُكْه جانباً ونلْحق بعصر التعاون بين الأمم والأجناس، والتسامح والتفاهم؛ بعيداً عن الكراهية، والعنصرية، ومفرداتِ الاستعمار والخيانة والعمالة.

يقولون إننا في زمنٍ آخر، نرى فيه المستعمِر القديم يضمّد إصاباتِ جَرحانا ويساعد في بناء بلادنا، ويعلّمنا كيف نحسن معاملة الغرباء، وننقذَهم من الموت غرقاً على شواطئنا. ولا ضرر في سبيل ذلك في قواعد ينشئها على أرضنا الشاسعة، أو أساطيلَ يأتي بها إلى شاطئنا الطويل. وليس في أعمال هؤلاء وأقوالهم من جديد.

مِن الأجداد من تزاحموا للتجنّس ’مستفيدين‘ من قانونٍ إيطالي صدر سنة 1927 (*)؛ من شروطه لتجنيس الليبيِّ “أن يكون ولاؤه لإيطاليا، وألا يكون قد حُكِم عليه في جريمة سياسية، وألا يكون قد تزوّج بأكثَر من واحدة، وأن يكون قد تلقّى التعليم بمدرسة إيطالية لمدة ثلاث سنوات على الأقل.” لم يجد الكثيرون في الشروط ما يمنع من التقدّم، ومَن تجنّس منهم كان مزهُوّاً أنه أصبح ’مسلماً إيطالياً فاشيّاً‘. وهناك أيضاً من تجنّد، ومَن انخرط محارباً ضِمن فرق البنده، ومَن احترف ’البصاصة‘.

في تاريخنا، كما في تاريخ غيرِنا من الشعوب، وعلى مرّ الزمان، صفحاتٌ وصفحات. تاريخنا يجب استذكاره بما فيه من جهادٍ وفِداءٍ، ومن خزيٍ لحق بأصحابه.

رحِم الله شهداءنا، ورحم شيخهم، والمنفيّين، وآلاف الذين قضوْا في معتقَلات الإبادة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قانون إدارة طرابلس وبرقة، راجع ص 161-162،Luca Bussotti, A History of Italian Citizenship Laws during the Era of the Monarchy (1861-1946)

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *