عندما يذوب الضّدُّ في ضّدِّه

ظهرت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، هدفُها إقامة دولةٍ ليهود العالم على أرض فلسطين، متحولةً بعد أن حققت هدفها هذا إلى الدفاع عن وجود إسرائيل ومصالحها. وظهر في مجالنا العربي انخراطٌ مُؤدّاه تثبيت وجود إسرائيل على الأرض الفلسطينية؛ اكتسب زخماً كبيراً بتوقيع اتفاقيات الصلح الثلاثة معها. ودخلت عملية تصفية القضية الفلسطينية حالةَ تسارعٍ شديد بمجيء الإدارة الأمريكية الجديدة، في هيئة ’صفقةِ قرنٍ‘ يجري التحضير والتسويق لها، وفي مشاريع تجارية كبرى في مجال الطاقة على الخصوص، في تأكيدٍ من المُمسكين بالسلطة على طبيعيّة العلاقات مع إسرائيل. يحيلنا هذا الواقع إلى تساؤلٍ مشروع: يُكتب الكثير عن ’الصهاينة المسيحيين Christian Zionists‘ وطائفة الإنجيليين ـ مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، أحد أعضائها – هل يوجد صهاينةٌ عرب؟

يدعم الإنجيليون والصهاينة المسيحيون إسرائيلَ دعماً مطلقاً، لا يُضعِفه انتهاكٌ لقانونٍ أو حقوقٍ أو مبادئَ إنسانية. وهم في ذلك ينطلقون من معتقَدٍ ديني يقول بأن إنشاء دولة إسرائيل و’عودة‘ اليهود إلى فلسطين كانا تنفيذاً لنبوءةٍ توراتية، وأن تجمّعهم في فلسطين شرطٌ للعودة الثانية للسيد المسيح، التي يستعجلونها ويتوقون لرؤيتها. هي علاقةٌ لا يهزّها شيء.

وظهر بيننا مَن يقـبل بوجود دولةٍ لليهود على أرض فلسطين بدلاً من أهلها الذين تمّ طردهم منها؛ يعترفون بإسرائيل كياناً شرعياُ على أرض فلسطين، ويقيمون العلاقاتِ معها، ويُضْفون على وجودها شرعيّةً عربيةً إسلاميةً، ما يُشكّل سّنَداً تاريخياً معنوياً لا يدانيه سندٌ لِـ ’حَـقِّ الإسرائيليين‘ في أرض فلسطين، ويعملون على تسويق موقفهم هذا بين الجماهير العربية العريضة.

يتصدّر هذا الفريقَ أنظمةٌ تعترف بإسرائيل وتقيم معها علاقاتٍ دبلوماسية وأمنية وعسكرية، وتدفع مجتمعاتِها باتجاه التطبيع وإقامة العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية معها. وإلى جانب الأنظمة، يقف رجالُ أعمالٍ، ورجالُ دينٍ، ومثقفون وأكاديميون وإعلاميون. مصالحُ النخبة من طبقاتٍ حاكمة ودوائر أعمال هي الدافع المحرّك الرئيسي لهذا الفريق، وليس صوْن الأرض والمقدّسات أو كرامة الأوطان وثرواتها.

لا حُجّـةَ لأولئك العرب تقوم على مرجعٍ أخلاقي، أو على معتَقَدٍ ديني مثلما هو حال الصهاينة المسيحيين. هم يدفعون بأن القبولَ بحقِّ اليهود في إنشاء دولةٍ لهم على أرض فلسطين سيجنّب العرب ويلاتِ الحروب، ويسمح بتوجيه جهدهم ومواردهم نحو التنمية ورفاهية العيش. فلسفتهم تبريرية؛ توجِّه النظر إلى اختلال موازين القوى العالمية والإقليمية؛ وتحذّر من أن عدم الاستجابة لضغوط الدول المهيمِنة سيأتي بالوبال، وأن استقلال القرار عن إملاءاتها سيؤدّي إلى خسائر مادية جسيمة وانقطاعِ مساعداتٍ لا غِنى عنها. العقلانية والحكمة، يقولون، يفرضان القبولَ بأمرٍ واقعٍ علّه يتغيّر مستقبلاً. فِكرُهم وإعلامُهم يصبّان في تثبيطِ الهِمم، وإسقاطِ كلِّ دورٍ للعمل الوطني المستقل، والاعتمادِ على المساعدات الأجنبية طريقاً إلى التنمية والرفاهية المنشودين. مطلوبٌ من العرب أن ينظر إلى القضيةَ الفلسطينية كقضية إنسانية وحسب؛ وإلى الإسلام كطقوسٍ تعبّدية، بعيداً عن مبادئ العدل والحق والجهاد والأخلاق والتراحم، وكلَّ الأبعاد التي تقود الأمة إلى الوحدة والمَنَعة وبناء أسباب القوة.

يستغلّ هذا الفريق من العرب الهزائم والإحباطات العربية المتكررة فينسِبونها للمواقف ’القديمة‘ من القضية الفلسطينية. وهم مستمرّون في الدفاع عن أفكارهم والدعوة إليها، رغم الفشل الذريع في تحقيق التنمية والرفاهية الموعودة. وهم صامدون رغم ما تشهده الساحات العربية من حروبٍ أهلية وصراعاتٍ مذهبيةٍ عبثية، فاقت في آثارها التدميرية كل ما سبقها من حروب، وجاءت بعد حربٍ أرادوها ’آخر الحروب‘.

“الصهاينة العرب” اسمٌ مُستحَقٌّ عن جدارة. ذابوا في ضدِّهم. يموتون فيه.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *