سُقوط نظامٍ وانهيارُ دولة.. مقدِّماتٌ ودوافع

كان نظام سبتمبر قد هرِم وطال انتظار رحيله، بعد حِقبةٍ من الاستبدادِ، وحروبٍ لم يكن للناس رأيٌ فيها، وعسفٍ، وضنَكِ عيش. كان لتلك الصفحة أن تُطوَى، ولصفحةٍ جديدة أن تُفتَح؛ تُطلّ بتباشيرِ الحريةِ والكرامةِ ورفاه العيْش. ولكن ثورة فبراير قادت، بدلاً من ذلك، إلى أزمةٍ وطنيةٍ ومعاناةٍ معيشية، لن يأتي الخلاص منها على يد المسؤولين عنها، والنّخَبِ المنتفعة منها، والدولِ المقدِّمة لمصالحها – بطبيعة الحال – على المصلحة الوطنية الليبية.

النظام يعدّل مساره

انتهج النظام في أوائل القرن مساراتٍ الهدف منها تخفيفُ الاحتقان وتحصينُ سلطته أمام نًذًرِ انفجارٍ غيرِ بعيد؛ فعقَد تفاهماتٍ مع جماعات الإسلام السياسي المعارِضة وقتها؛ كان أبرزَ ما تمّ في سياقها مراجعاتُ الجماعة الليبية المقاتلة سنة 2009، ونبذُها العنفَ وسيلةً للتغيير السياسي، والإفراجُ عن مساجين منتمين لها ولغيرها من الجماعات بُغيةَ إدماجهم في الحياة المدنية. وبدت الاستجابة لهذا النهج التصالحي واضحةً في انسحابِ جماعةِ الإخوان المسلمين من مؤتمر المعارضة الليبية الأول في لندن سنة 2005 معترضةً على الدعوة لتنحّي معمّر القذافي عن السلطة.

وفي مسارٍ ثانٍ أطلق النظام برنامجاً تنموياً كبيراً، كان من شأنه أن يحدَّ من أزمة السكن، ويرفعَ مستوى المرافق والتعليم والصحة والكهرباء والطرق والمطارات والموانئ.

وفي المحيط الدولي مثّـل الغزوُ الأمريكي البريطاني للعراق سنة 2003، مقدِّمةً لما سُمِّي ’الشرق الأوسط الجديد‘، تتقدّمه ’فوضى خلّاقة‘ لا تُبقي ولا تذر. سرَّع النظام خطواتِ تطبيعِ علاقاتِه مع الغرب، فأقفل ملفاتِه الشائكة، وتخلّى عن برنامجه النووي، وسلّم أسلحته الكيماوية؛ واستعاد سنة 2004 العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، وأقام علاقاتٍ مخابراتيةً واقتصادية معها. وفي سنة 2006 استعادت ليبيا علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتخلّصت من العقوبات المفروضة من مجلس الأمن الدولي.

ولكن تلك التحولات جاءت متأخرةً وغيرَ كافية؛ فقد كان لها معارضون من داخل النظام نفسه، ومتربّصون من بين جماعاتٍ إسلامية لم تكن التفاهمات معها من الصلابة بحيث تصمد بوجه الهزّة القادمة. أما الأجنبي، وبطبيعة التضارب المحتمَل لمصالحه مع المصلحة الوطنية الليبية، فكان من الواجب النظر إلى سياساته وأهدافه المعلَنَة نظرةَ نقد وارتياب.

واصطدم البرنامج التنموي بضعف الأداء المؤسَّسي وفسادٍ أدّى إلى تضخُّمٍ كبيرٍ في تكاليفه؛ وتوقّفَ تماماً منذ بداية الأحداث سنة 2011.

هبوب العاصفةٌ وحماية المدنيين

ما كانت ليبيا لتَفـلِت من ’ربيعٍ عربيٍّ‘ يدُقّ أبوابَ المنطقة كلِّها. انطلقت الانتفاضةُ من مدينة بنغازي في 15 فبراير 2011، فتعامل معها النظام بالتهدئة أوّلَ الأمر، ولكنه ما لبث، بعد خروج الشرق من قبضته، أن أرسل رتلاً جرّاراً نحو بنغازي، رافقه وعيدٌ مُفزِعٌ بأن الحملة ستكون كاسحةً وباتّجاه الشرق كلّه. كان ذلك التهديد والوعيد خطئاً فادحاً من جانب النظام، وذريعةً للتدخلِ العسكريّ الأطلسي ’حمايةً للمدنيين‘. وبالفعل تقدّم الرّتل يوم 19 مارس نحو المدينة، فتصدّت له بضعُ طائراتٍ من سلاح الجو الليبي وثوّارٌ على الأرض. ومع نهاية نهار ذلك اليوم قُصف الرِّتل تحت غاراتٍ جويةٍ فرنسية مدمّرة. يومَها نجت بنغازي والشرق من عواقب الاكتساح الموعود، الأمر الذي يُفترض كافياً لاعتبار مهمّة ’حماية المدنيين‘ قد أُنجِزت. ولكن التدخل الأطلسي تطوّر إلى حملةٍ جويةٍ كبرى، انضمّت إليها ثلاث دول عربية بطائراتها وطيّاريها، هي الأردن والإمارات وقطر؛ نُفّذت خلالها 26,500 طلعة جوية من بينها 9,700 ضربةً على أهداف برّية. اختُطفت الانتفاضة الليبية من قِبَل حملةٍ أطلسيةٍ كان الليبيون وقودَها على الأرض، ودولٌ عربية أدواتِها المسوِّغةَ لها والضّالعةَ فيها.

المصالح الأجنبية، وآلة التدمير الذاتي

سوءُ التقدير للمواقف والمصالح الدولية، والانفصامُ المتجذّر بين الشعب والنظام، والتحريض والتضليلُ الإعلاميان بقيادة قناة الجزيرة القطرية، كانت من بين العوامل الحاسمة في مسار الثورة. غاب النظرُ الناقدُ المرتاب بما يجري وما يُخطَّط له، كما غابت قراءةٌ للمشهد في سياق الأحداث الجارية على أيدي ذات القوى في المشرق العربي. وفي حين ساد المشهدَ حماسٌ شعبيٌّ جارف، انهمكت جماعاتٌ في العمل، جَهاراً أو مِن وراء سِتار، لوضع اليد على الغنائم من كلّ صنف، وعلى الغنيمة الكبرى: ليبيا وخزائنِها. أما الأجنبيُّ فقد ارتدى ثوبَ فاعلِ الخير الذي يخوض الحرب وينفق مِن ماله لإزاحة حكمٍ مستبدٍّ وإبداله بنظامٍ ديموقراطي. يفعل ذلك لمصلحة الشعب الليبي، تماماً كما كان حالُه في العراق من قبلُ وفي سوريا إلى اليوم!

وظهر سوءُ التقدير من جانب النظام أيضاً. يقول وزير الخارجية البريطاني السابق، وليام هيج، في شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني، إنه استقبل مكالمةً من سيف الإسلام، في فبراير 2011، يُبلغه فيها بـ “بأن الوضع في ليبيا خطير، ويطلب من المملكة المتحدة والغرب، باسم حكومته، تقديم المساعدة لإخماد التمرّد.”، حسب المصدر – (1) بالهامش أدناه. ويمضي هيج قائلاً: “من الواضح أنه كان لدى [سيف الإسلام] قناعةٌ بأن [المملكةَ المتحدة] بلدٌ صديق، وأن البلد الصديق الذي تربطك به علاقةٌ شخصية سيتدخّل نيابةً عنك وقت الشِّدّة. أظنه كان تحت تأثير سوء فهمٍ بهذا الخصوص، ولكن سوء الفهم ذلك لم يستمر لأكثر من دقائق”، (1) أدناه. ويقول هيج، طبقاً لتقرير لجنة الشؤون الخارجية، (2) بالهامش أدناه، إنه “لم يكن من الحكمة أن يشير وزير الخارجية البريطاني بانقلابٍ داخل حكومة القذافي، خاصةً أن الخلَف قد لا يكون أفضل من سلفه.” وبخصوص قرار لجنة الأمن القومي البريطانية بالتدخل، يقول: “السؤال الرئيسي كان ’هل من المصلحة القومية البريطانية… أن نتدخّل؟‘ ومِن آراءِ جميعِ الحاضرين في الغرفة استخلص [كاميرون] أن الأمر كان كذلك.” ويذكر ذات التقرير أن توني بلير كان على اتصالٍ، في فبراير 2011، بالعقيد معمر القذافي في محاولةٍ “لإنهاء العنف والتنحّي جانباً.. وأن كاميرون وهيلاري كلنتون كانا على علم بتلك الاتصالات.” مُلفِتٌ للنظر في تلك الشهادة إجابة توني بلير على سؤالٍ عن ردّ كاميرون عند إبلاغه بتلك الاتصالات، إذ قال: “إن [كاميرون] كان في الاستماع وحسب.” (2) أدناه.

وبالنسبة لفرنسا، صاحبةِ الدور القيادي في الحملة الأطلسية، المتحمّسةِ لإسقاط النظام في ليبيا، ربما كان هناك أيضاً دافعٌ شخصيٍّ – خفيٌّ وقتَها – لدى رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي في ضوء التحقيقات الجارية الآن في مسألة أموالٍ يُدَّعى بأن النظام الليبي قد دفعها دعماً لحملته الانتخابية.

أما العرب فقد تنكّروا لبعضهم البعض منذ سنين. باعوا أقدس قضاياهم، وأُهدروا ثرواتِهم؛ وشاركوا بالمال والتحريض في دمار أوطانهم، في شراكةٍ سافرة مع القوى الدولية الفاعلة، غيرِ بعيدةٍ عن خدمة أهداف العدُو. وقد كان لليبيا نصيبٌ وافرٌ من فعل آلة التدمير الذاتي العربية هذه. ليس العرب في ذلك بِدْعاً بين الأمم، فكلُّ الأمم لها في التاريخ صفحاتٌ لا تشرّف، ولكن العاقل منهم تعلّم، ولم نتعلّم بعد.

سقوط النظام، وانهيار الدولة من بعده

توجّه طرفا الصراع – الثوار والنظام – إلى الدول الأجنبية طلباً لدعمِها من أجل القضاء على الطرف الآخر. واختارت تلك الدول جانبَ الثورة التي رأت في ’نجاحها‘ – وما سيعقبه – خدمةً لمصالحها في ليبيا وإقليمها الأوسع، وليس لأيّ غرضٍ آخر.

انفرط عِقد الدولة ونُهِبت خزائنُها، ووقَعت البلاد تحت سطوةِ مليشياتٍ وجماعاتٍ متطرفةٍ من جانب، وهيمنةٍ أجنبيةٍ من جانبٍ آخر. غُيِّب الشعبُ الذي انتفض ليفرض إرادته، وتولّت ذاتُ الدول المتدخِّلةِ لإسقاطِ النظام إدارةَ المحنة المترتّبة على سقوطه وسقوط الدولة معه. هي حالةٌ مزدوجةٌ من القابلية للاستعمار، (3)، ونزوعٍ إلى تدميرٍ ذاتيٍّ تغذَّيه عصبيّاتٌ ومغالَبةٌ وانتقامٌ وانفلاتٌ من حدودِ القانون والعُرف؛ عَجّلت بهَرَمٍ مبكّر.

سيستمر العبثُ والفسادُ، وطغيانُ العَوَزِ، وذلُّ الطوابير وإملاءاتُ الأمر الواقع، حتى يفتكّ الليبيون زمام أمرِ بناء دولتهم المستقلّة من جديد، لهم وللأجيال من بعدهم؛ فالطريق إلى خلاص الوطن لا يكون إلا شأناً وطنياً خالصاً.

ومعذرةً من وطنٍ عشقناه، ولم نصُنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): Simon Hooper, A Brief History of UK-Libya Relations, 11 Dec. 2015, Aljazeera.com.

(2): House of Commons, Foreign Affairs Committee, Libya: Examination of Intervention and Collapse and the     UK’s Future Policy Options, Sep. 20016, pp18-20.

(3): مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، دمشق، 1986.

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *