درنة.. خيارات وطن

في ذاكرة طفولتي وصِبايَ هي شارع الفنار حيث مدرسة النور ودارنس، ونخلتان باسقتان وسط الطريق كانتا مَعْـلَماً للشارع وللجمال وحبِّ الحياة. وهي البْلادْ، أين سكنُ الجدّيْن، وسوقُ الخضرة حيث الماء يدفق عند مدخله، والبياصة الحمرا في نهايته، وسوق الخرّازة، وسوق الظلام، والجامع العتيق، وبياصة البلدية، وفندق الجبل، والزهراء. وهي سواني الجبيْلة بفرشِها الأخضر وسواقيها؛ عَـبْرها كان الطريق من بوعزّة إلى مدرسة عزوز والأستاذ محمد والأستاذ عبد الحميد.

الماء فيها عيونٌ وشلالٌ ووادٍ، وسَوَاقٍ اخترقت شوارعها وبساتينهاوحتى بعضاً من منازلها. درنة هي السواني والموز والرمان والورد والياسمين وهواءٌ مُشْبعٌ بعبق الزهور. ماء الشرب فيها ممزوجٌ بماء الزهر، والشاي بالورد وزهْر الليمون. سِحرُها كان حُضنَ إبداعٍ وخيالٍ وإتقانٍ ولِين. في رُباها “الجلالُ والجمالُ والسَّناءُ والبهاء”، وفي هواها “الحياةُ والنّجاةُ والهناءُ والرّجاءُ”. ما تزال صورها تلك عالقةً بذاكرة جيلٍ، منه مَن رحل ومنه مَن أوشك على الرحيل.

ينحدر سكانها من غربالبلاد وشرقها ومن مصر والأندلس وكريت وتركيا، استقروا بجوار الصحابي زهير بن قيس البلوي ورفاقه. انصهروا فيها درناويين ذوي سماتٍ وخصوصياتٍ لا يخطئها من يعرفهم. يقول عنها الرحّالة الدانماركي كنود هولومبو في “رحلة في الصحراء الليبية”: (تملك درنة أصفى وأنقى وأطيب المياه في إفريقيا الشمالية كلها… أرضها مغطاة ببساط كثيف من الأعشاب تتألق فيه الزهور الجميلة. ولم أعرف مكاناً مثل هذا المكان حيث يضع الناس كل ما هو كريم ولطيف وجميل في المقام الأول، وحيث ينفرون من الخُرافة نفورَهم من الوباء.)

كان لها نصيبٌ من فرضِ الجهاد، ومكانةٌ بارزة في الشعر والفن والتعليم. فيها تألّقت جمعية عمر المختار، وفيها وُلد المسرح الليبي، وفيها حُرّرت صفحةٌ ناصعةٌ من تاريخ الوطن وقبائل برقة هي ميثاق الحرابي. أدهشت درنة من تابعوا حركتها الأدبية والثقافية وشهدوا عطاءَها في التعليم والإدارة، ودورَها الوطني من خلال مركز جمعية عمر المختار، وهي التي لم يتجاوز عدد سكانها في خمسينيات القرن الماضي عشرين ألف نسمة. من رجالها لمعت أسماء شاعرها وزعيمها إبراهيم أسطى عمر ورائد رابطة شبابها عبد الرازق شقلوف، وأديبها عبد الكريم جبريل، ورائد المسرح الليبي محمد عبد الهادي؛ ومن نسائها رائداتُ تعليم البنات من مفيدة بن فايد في عشرينيات القرن الماضي إلى فتحية عاشور في خمسينياته وستينياته، وغيرهم كثير.

كان ذلك العطاء، في واحدٍ من جوانبه، نِتاجَ فسيفساءِ تركيبتها السكانية؛ والتسامحِ، والانفتاحِ على الجديد، والتعايشِ في بيئة تنوّعٍ واختلاف. لم تُقْصِ المدينة أحداً بسبب قبيلته أو دينه أو منشئه أو عودةٍ حديثةٍ من المهجر.كريمةٌ معتدلةٌ وليّنةٌ، احتضنت زوايا الصوفية، والعائدين والوافدين من المشرق، والقادمين من محيطها والراهباتِ واليهود،متباهيةٌ بدورها في بناء دولة الاستقلال إدارةً وتعليماً، شرقاً وغرباً وفي أقصى أطراف الوطن في تسامحٍ يجده الدارسون عاملاً من عوامل صعود المجتمعات وانحدارها.

وبمجيء ستينيات القرن الماضي وصعود اعتباراتِ المادّة والتجارة، بدأ الانحدار. زحَف البناء العشوائي على بساتينَها، وغارت مياهها، وجفّت سواقيها. وفي السبعينيات وجدت المدينة نفسها أمام نظامٍ فظٍّ ظالمٍ شرِس. وقف في وجه الظلم من وقف، وانكفأ عن ضجيج ’الثورة‘ والفكر الواحد من انكفأ. كان جزاء المدينة الإهمال والإفقار والموت البطيء، وآلام الثكالى واليتامى وأمهات الغائبين. كان للعسف وانسداد أبواب العيش رجْعٌ من فكرٍ دينيٍّ مُـغالٍ، جذورُه ضاربة في تاريخ الأمة، وله منظّروه وداعموه المعاصرون من أقطارٍ بعيدةٍ. ظهر فكرٌ يرى فيه معتنقوه الحقيقةَ يقيناً، لا يقبل التعايش مع غيره، ولا يقبل من المجتمع كلِّه غيرَ الاتّباع؛ وكان في ذلك نموذجاً آخر من ذات قالب ’النظرية‘ المفروضة وقتَها قسراً. خبا نور المدينة بانحسار التسامح بين متساكنيها بمختلف أصولهم وثقافاتهم ورؤاهم للحياة، من دون عدوانٍ على أحدٍ أو إقصاءٍ لأحد. وحلَّ الخلافُ محلَّ الوئام.  

ستبقى درنة رغم تعاقب الظلم والظلام، ورغم الفقد والحرمان والزَّلل. ستنقشع الظُّلمة، فالجَمال يسكنها ينابيعاً وورداً وعَبَـقاً سارياً لا ينقطع. ولكن لا شيء يعود إلى ما كان، فالزمان والعلوم والعالم في تغيّرٍ لا ينتظر. خيارات الوطن كلِّه بيَد أجيالٍ جديدة من حقها أن تحلُم بتغييرٍ حقيقي ومستقبلٍ زاهر، وعليها أن تعملَ له، ناظرةً إلى الأمام، مستلهِمةً من التاريخ العِبر، لا حبيسةً له.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *