العسف والإقصاء وإخضاع البلدان لمصالح الأجنبي.. درنة نموذجاً

ما آل إليه الحال بمدينة درنة لا يُختزل في تبِعات أحداث فبراير 2011. إنها حالةٌ تعود بجذورها إلى الحقبة السابقة لفبراير وما حفلت به من سياساتٍ كانت لها نتائج كارثية بعيدة المدى. وهي جزءٌ من ظاهرةٍاجتماعيةٍ ثقافيةٍ سياسية إقليمية، عصفت – ولا تزال – باستقرار دولٍ وأمنها الاجتماعي وفرص تقدمها ورفاه شعوبها؛ تلحّ في طلب دراساتٍ متعدّدة الجوانب بغية فهمها، واستخلاص الدروس منها، وتلمّس طريق الخلاص من أدرانها. ولدرنة – مثلما لغيرها – خصوصيّاتها.  

السياق الإقليمي والدولي 

حلّت عشرية السبعينيات وما يزال انكسار يونيه 1967مخيّماً على أجواء المنطقة العربية، عاصفاً بآمالٍ عريضةٍ وأحلامٍ وأوهام، ومُنذراً بتحوّلاتٍ كبرى في موازين القوى. رحل جمال عبد الناصر، واستلم الحكم من بعده أنور السادات.وفي إطار المواجهة مع معارضيه، سمح السادات بعودة نشاط جماعة الإخوان المسلمين. وظهرت في مصر جماعات سلفية جهادية تدعو لقلب أنظمة الحكم، كانت المسؤولة عن اغتيال السادات عام 1981. 

بنهاية السبعينيات كانت قد انطلقت عملية التجنيد للجهاد في أفغانستان، مرتكزةً إلى جذورٍ فكرية ضاربة في تاريخ الأمة؛ كانت محلَّ رعايةٍ ودعمٍ من أقطار مشرقية، بمنظّرين معاصرين وتمويلٍ طائلٍ، وشعاراتٍ جهادية، نُصرةً للمسلمين الأفغان ضدّ القوة السوفييتية الملحِدة الغازية. وكان الهدفُ الأبعد، والمستتر بالكاد، دعمَ ’الحليف‘ الأمريكي في حربه ضدّ الاتحاد السوفييتي. 

كان ذلك المشروع في أساسه أمريكيَّ التصور والأهداف. تقول هيلاري كلينتون في شهادةٍ لها أمام إحدى لجان الكونجرس الأمريكي: “… لم نكن نرغب في رؤية [الاتحاد السوفييتي] مسيطراً على آسيا الوسطى، وشَرَعنا في العمل… الرئيس ريجان، بمشاركة الكونغرس، قالوا لنتعامل مع المخابرات الباكستانية والجيش الباكستاني، ولنتوجّه إلى تجنيد هؤلاء المجاهدين… لنُحضر البعض من السعودية ومن أماكن أخرى؛ لنوظّف النسخة الوهابية للإسلام لكي نهزم الاتحاد السوفيتي. تراجع [الاتحاد السوفييتي] وخسر مليارات الدولارات ما أدى إلى انهياره. هناك حجةً قويةً بأن ذلك الاستثمار لم يكن سيئاً.” نعم، لم يكن استثماراً سيئاً بالنسبة إليهم، ولكنه إلى جانب ذلك كان وبالاً على شعوب ودول منطقتنا. 

وبعد الانتصار على القوات السوفيتية برز إلى السطح تنظيم القاعدة وفكرة الجهاد العالمي، وبدأ ’الأفغان العرب‘ العودة إلى أوطانهم. استُهدِفت السياحة في مصر، وشهدت ليبيا مواجهات دموية، وشهدت الجزائر ’عشريةً سوداء‘ قُتل فيها ما يُقدّر بنصف مليون شخص. وتعددت التفجيرات والاغتيالات وضبطت الخلايا في أكثر من بلد.

ولإكمال الصورة ينبغي الإشارة بوضوح إلى أن العشرية السوداء في الجزائر قد اندلعت بعد تدخل الجيش لمنع الإسلاميين من تسلم السلطة عقب فوزهم في الانتخابات، وأن ليبيا لم تخلُ من تعاطفٍ شعبي مع القائمين بأعمال العنف ضدّ النظام وقتها.

درنة نموذجاً

لم يبدأ انحدار درنة نحو التطرف والعنف في فبراير 2011، بل كانت فبراير فصلاً ثانياً لفصلٍ بدأ قبل ذلك بأربعين عاماً. كان للمدينة موقفٌ سلبيٌّ من نظام سبتمبر؛ لم تشايع النظامَ وقيادته، ولا صانعته وتزلّفت إليه. وقد ظهر ذلك مبكّراً في صداماتٍ بين مواطنين وعناصر من حامية المدينة في وقتٍ لم يتجاوز العاميْن بعد سبتمبر 1969، والرّدِّ على تلك الصدامات بإغلاق الحامية. موقف المدينة السلبيُّ ذلك كان له ثمنٌ باهضٌ من إهمالٍ وحرمانٍ وموتٍ بطيء، انسدّت أبواب العيش وآفاق المستقبل. وسيكون لهذا القول ما يسنده في أرقام برامج التنمية وأعداد الفصول الدراسية والأسِرّة الطبية المستحدثة من جانب، ونسبةِ أعداد المسجونين من أبناء المدينة في قضايا أمنية وسياسية إلى عدد السكان من جانبٍ آخر. وقد حدث الأمر ذاته حيثما كان الإذعان لسياسات النظام وقيادته منقوصاً، ولكنّ الرفضَ في درنة كان أكبر والثمنَ أفدح. لقد كان في العسف وشظف العيش إحباطٌ لطموحات الشباب على وجه الخصوص، دفع بهم إلى الانكفاء منشغلين بعباداتٍ وغيبياتٍ ومدارسَ دينية وافدة عبر الكتب المهرّبة والكاستّات، ودروسِ وفتاوى العلماء خلال زيارات الأراضي المقدسة، لعلّ فيها تفسيراً وهدياً وغايةً جديرةً بالعيش من أجلها. وهكذا نما تحت وطأة عقوبة الإهمال في مدينة درنة تيارٌ ديني مُغالٍ، لا يقبل التعايش مع المختلِفِ معه من مدارس ومذاهب، يريد بسط سلطته على كافة نواحي حياة الفرد والمجتمع ولا يقبل من المجتمع كلِّه غيرَ ذات الإذعان في نسخته الجديدة.

لم تكن درنة – وكلّ ليبيا – معزولةً عن إقليمها والعالم من حولها. لقد تضافر إهمال المدينة وحرمانها من نصيبٍ عادلٍ مستحَقٍّ في الثروة الوطنية مع دعوات الفكر السلفي الجهادي المروَّج له تنفيذاً لمخططات القوى العالمية المهيمنة وتوابعها الإقليميين. تغلغل ذلك الفكر واتّسع انتشاره حتى رأينا في تحقيقٍ لمجلة نيوزويك الأمريكية في أبريل 2008،بعنوان “غايتهم الشهادة – اللغز الجهادي”،أن وثائق عثرت عليها القوات الأمريكية في العراق اشتملت على أسماء 606مقاتلاً أجنبياً، كان من بينهم 112ليبيّاً، وأن 52شخصاً من بين أولئك الليبيين قد جاؤوا من درنة. كان في ذلك مؤشّرٌ يثير القلق في أقل تقدير، ولم يكن فيه جديدٌ لدى الأجهزة وقتها بكلّ تأكيد. واستمرّت أوضاع المدينة على ما كانت عليه منذ ما قبل عقدين من الزمن أو يزيد.

جاءت فبراير لتُفرِغ الدولة الليبية من مؤسساتها، الأمنية على وجه الخصوص، وانتقلت المدينة إلى قبضة الجماعات الجهادية المتطرّفة باسطةً إرادتها وأحكامَها في مختلف جوانب السلوك الفردي والنشاط المجتمعي والقضاء والإدارة المحلية في مختلف جوانبها. تصدّر خطابَ الجهاد مسمّياتُ الطاغوت والرّدّة والعلمانية، فاستُهدِف بالتصفية نُشطاء مدنيون وكان للجيش مقامُ العداء الأول في خطوط المواجهة بالسلاح وعلى قنوات وصفحات الإعلام. واستمر ’الجهاد‘ خارج البلاد متوجها إلى سوريا وحتى مالي.

لكي لا تدوم المحنة

يجب أن يُستفاد من دروس بضعة عقود من الزمن نقلت مدينة درنة – على سبيل المثال لا الحصر – من إحدى أهم مدينتين بطول الساحل الليبي بعد طرابلس وبنغازي، إلى ما رأيناه من تطرّفٍ وتقهقرٍ وبؤسٍ في مختلف جوانب الحياة. ليس مقبولاً أن تعاقَب كتلٌ من المواطنين ومدنٌ بالإهمال وبالحرمان من حقِّها في فرص متساوية مع شركاء الوطن جميعاً للنماء والعيش الكريم بسبب مواقفها من السلطة الحاكمة. في العقوبات الجماعية هلاكٌ وخسارة للمعانين منها والقائمين عليها وللوطن كلّه. والنجاة تكمن في أن تكون المناطق والمواطنون، بمختلف أعراقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم وتوجّهاتهم السياسية ومواقفهم من السلطة الحاكمة، متساوين في فرص التنمية والعمل والتعليم والعلاج والسكن، وأمام القانون.

إن انطلاق عجلة الاقتصاد واستتباب الأمن مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وكلّ نجاحٍ في أحدِهما يعزّز فرص النجاح في الآخر. الوضع القائم اليوم لم يعد متجانساً في كلّ البلاد، فقد أدّت الحروب والنهب والانتقام والإقصاء إلى انقساماتٍ، وأصبحت المدن والمناطق في حالاتٍ أمنية واجتماعية واقتصادية متباينة. تلك حقيقةٌ لا يمكن تجاوزها عند البحث عن مخرجٍ للبلاد من محنتها. والحاجة إلى وضعها في الاعتبار تنطبق على عملية إعادة بناء الدولة مثلما تنطبق على إطلاق عجلة الاقتصاد.

الإصلاح والتحصين ضدّ التطرّف، على مستوى البلاد عامةً، يتطلّبان إطلاق برنامجٍ لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد، مرتبطٍ بالضرورة ببسط الاستقرار واستتباب الأمن؛ تحت إدارةٍ قادرةٍ ونزيهةٍ وبعيدة عن التجاذبات السياسية.

تبقى التنظيمات السلفية الجهادية المتطرفة أدواتٍ ذاتَ فائدة لأصحاب بذرة إطلاقها، وسيبقى تهديدها لأمن شعوب المنطقة ومصالحها ما بقيت أنظمةٌ تُخضِع بلدانها لمصالح الأجنبي. المواجهة الناجحة لمحنة التطرف لن تقتصر على الجانب الأمني، بل تحتاج إلى نقلةٍ ثقافية وتعليمية كبرى.  

 

 

 

 

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *