أخطاءٌ فادحة وخيارات صعبة

ليبيا.. أخطاءٌ فادحة وخيارات صعبة

الدول إنما تتدخل خارج حدودها من أجل مصالحها، وطبقاً لاستراتيجياتٍ مقدَّرةِ المكاسب والبدائل والاحتمالات، والأدوات – الاقتصادية والعسكرية والدعائية وتلك المتمثلة في رصيدها من ’الأصدقاء‘ – ومقابل أثمانٍ مقبولةٍ من الأموال والأرواح والمكانة. ولن يكون في إطار تلك الحسابات تحقيق مصالح طرفٍ آخر إلا بقدر انعكاسها على مصالحها هي.

التدخل الأجنبي وتبعاته:

استعانت ثورة فبراير بالتدخل العسكري من الدول الغربية في مواجهاتها مع النظام. وكانت وراء تلك الاستعانة أسبابٌ ومسوِّغاتٌ يجب أن تُخضَعَ للنظر الموضوعي فيما لها وما عليها. وكان للتدخل، وصولاً إلى إسقاط النظام، تداعياته: حلّت الفوضى، وانهارت المؤسسات، وظهر الإرهاب، وقامت المليشيات، وتدهورت الأحوال المعيشية لعموم الناس.

لم تكتفِ دول الناتو بحماية المدنيين طبقاً للتفويض الصادر من مجلس الأمن الدولي، بل مضت نحو إسقاط النظام، رغم ما قد ينشأ عن إسقاطه من الفوضى وتفكّك الدولة والانقسام وظهور الإرهاب، في سيناريوهاتٍ محتمَلة لا شكّ في أنها كانت محلّ نظر الدول المتدخِّلة. هم لا يقومون بعملٍ من غيرِ منظورٍ لـ ’يومه التالي‘، رغم ما يزعمه البعض منهم. وتفرّق الليبيون أحزاباً وتياراتٍ وتشكيلاتٍ عسكريةً وقبائلَ تسعى إلى الغلبة والغنيمة، وفي حالةٍ من العمَى إزاء خرابٍ داهمٍ نتيجةَ صراعٍ قدّم أطرافُه مصالحَهم على مصلحة الوطن، تاركين أمر إعادة بناء البيت لذات الدول العاملة على ما آل إليه الحال. انهارت الدولة وأصبح الوطن لعبةً بيد الدول الأجنبية التي تولّت إدارة المحنة من جهةٍ، والأطرافِ الليبيين المتصارعين على المال بكل وسائل الفساد والسلب والنهب من جهةٍ أخرى.

سوء التقدير:لقد قوبل التدخل العسكري في ليبيا بترحيب واسع رغم ما شهدته منطقتنا من تدخّلِ بعضٍ من ذات الدول بغزوها العراق – تأسيساً على الكذب – وتقويضِ أركانِ دولته، وتجزئته، والدمارِ العظيم الماثل شاهداً حياً على تضاربِ المعلَن من الغايات والمُضمَر منها. ويأتي من الأمثلة من تاريخ ليبيا الحديث الاحتلالُ الاستيطاني الإيطالي بذريعة نشر الحضارة مكان الهمجية والتخلّف.

تأسس القبول بالتدخل الأجنبي في ليبيا على فرضية التقاء المصالح وثقةٍ ساذجة بالنوايا المعلَنة؛ انجرف إليها فريق واسع من الليبيين، وسيقت الأنظمة العربية للدعوة لها؛ وكان للبعض منها من بعد ذلك دور التمويل والتسليح والتأجيج؛ تقدّمتها قطر، وكأن ولاية الأمر في ليبيا قد عُقدت لها والفصيلِ الإسلامي المتحالف معها. وما كان لمثل تلك الولاية أن تُعقد بعيداً عن الدول الكبرى المتدخِّلةِ بأساطيلها ورجالها وأموالها. ولم تكن قطر أكثرَ من تابعٍ مسهِّلٍ لخطط أصحاب الأمر، رغم ما يدّعيه أصحاب السمو. وانخرطت الأنظمة العربية في عمل تدميري متعدّد الأوجه طال العراق أولاً ومن بعده سوريا واليمن وليبيا، ولا تبدو المتوالية قد وصلت إلى نهايتها بعد.

المشهد الأوسع الماثل أمامنا لا يسوِّغ أن يكون التدخل الأجنبي محرِّراً أو منقذاً من استبدادٍ أو فساد حكم. قد تلتقي المصالح لتجعل ذلك ممكناً في حالات، ولكنه يصعب أن يكون كذلك في حالة منطقتنا العربية لأسباب عِدّة منها الارتباطُ العضوي للغرب بالوجود الإسرائيلي على حساب الحقوق العربية الوطنية التاريخية والإنسانية، والأطماعُ في الموارد الطبيعية والأسواق الهائلة للسلع والسلاح. لذلك، وللخلفية التاريخية بين شرقٍ وغرب، ستظل الهيمنة الغربية كما نراها في أنحاء منطقتنا اليوم، أو ما هو أسوأ من مجرد الهيمنة، النتيجةَ لأي تدخّل.

لقد جاءت الاستعانة بالتدخل العسكري الأجنبي من دون تحرّزٍ أو ريبة، أو تبيُّنٍ للدوافع الحقيقية وراء ’حماية المدنيين‘.

والفريق المقابل:وليس في خطأ فريقٍ تبرئةٌ لآخر، فقد وصل الحكمُ في ليبيا بعد أربعة عقود من السلطة المطلقة إلى درجةٍ من الاهتراء جعلته غيرِ قابلٍ للمزيد من البقاء. وتدهورت مرافقُ البلاد وخدماتها إلى مستوياتٍ غيرِ مقبولة في دولةٍ بمثل إمكانيات ليبيا، وانسدّت آفاق العملِ الكريم والمشاركةِ في صنع المستقبل أمام الشباب. كان النظام مسؤولاً عما وصلت إليه البلاد في فبراير 2011 من وضعٍ متفجّرٍ، وعن خيار المواجهة مع انتفاضةٍ كانت عند انطلاقتها ذات مطالب إصلاحية. وكان في الرتل الجرار المتّجه نحو بنغازي والتهديدات المرعِبة المصاحبة له خطأٌ مِفصليٌّ شكّل مسار الأحداث إلى نهايتها الكارثية منذ الأسابيع الأولى للثورة.

وبعدُ:الخطأ والصواب احتمالان ملازمان لكلّ عملٍ. والعاقل من يتفحّص أخطاءه وأسبابَ فشله لكي يستخلص الدروس ويواصل المسير وقد تهيّأت أمامه فرصٌ أكبر للنجاح. ذلك ما ينبغي أن يكون، ولكن واقعنا يقول غيرَ ذلك.

من الدروس أن يستردّ الليبيون وِلايتهم على شأن بلادهم، فيخلّصون الوطن من محنته عبر التصالح والتسامح والتنازل عن الحدود القصوى للمطالب والأمنيات، وقبولِ الجميع للجميع مواطنين متساوين، ونبذِ كل ما هو خارجٌ عن الدين السمح والقيم السامية كما آمن بها الليبيون جيلاً بعد جيل. وإلا فإن تدخّلاً عسكريّاً أجنبيّاً ثانياً، محفوفاً بمخاطرَ جِسام، قد يكون قادماً. أما أن تُترك البلاد لصراع الفئات المسلّحة وعبث النخبة السياسية القائمة فذلك ما سيدفع نحو هاويةٍ لا نعلم مداها.

لقد انتهت سبتمبر في شيخوخةٍعليلةٍ أنهكتْها وأنهكت البلادَ معها، وانتهت فبراير في مهدها، فليراجع الأخطاء ويمسكوا بزمام أمرهم قدر ما تسمح به معطيات الظرف المتردّي الذي انتهت إليه البلاد.   

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *