صناعة الكذب


أصبح تزييف الحقيقة وفبركة الأخبار وما يُسمّى ’حقائقَ بديلة‘ صناعةً ذات مهاراتٍ وفنون تطوّرت بتطوّر تقنيات العصر ووسائط التواصل المتغلغلة في مجتمعات اليوم. ولن يكون بعيداً عن الدقة وصف ذلك كلّه بصناعة الكذب والتجارة في مُخرجاته – البضاعة – في شكل أخبارٍ وتحاليلَ ودراساتٍ ومقاطعَ صوتية ومرئية محرّفة أو معزولة عن سياقها.  

ليس الكذب رذيلةً طارئة، ولكن جديد اليوم ربما كان في تأثير مُخرجات صناعته في مختلف أوجه العمل العام. لسان حال أصحابه أنه من لوازم الشغل: لزوم العمل السياسي و’البزنس‘ على وجه الخصوص. وهي مُخرجاتٌ تجد رواجاً عبر قطاعٍ واسعٍ من البسطاء ومن المريدين والمستفيدين الذين لا تهمّهم الحقيقة بقدر ما هم توّاقون لسماع ما يعزز قناعاتهم وسلامة انتماءاتهم. ولمخرجات الكذب سوقٌ يمتد عبر قنوات ومواقع ووسائط تواصل تشكّل شبكاتٍ كبرى لها مصالح ووراءها دولٌ وصناعات ومؤسسات.

الكذب، وما يقع في دائرته من تزويرٍ ونصبٍ واحتيالٍ وغشٍّ وانتحال صفة، سلوكٌ يؤدي إلى الضرر – الفادح في حالات – للأفراد والمجتمعات، بل إن حروباً مدمِّرة تُشَنُّ تأسيساً عليه، كما نرى في منطقتنا.

تغطى مُخرجات صناعة الكذب مساحات واسعةً من الخطاب السياسي في عالم اليوم. رؤساءٌ وقادةُ دول ومؤسساتٍ وزعماء يكذبون جهاراً، ويفتضح كذبهم من دون أن يرقى إلى وجوههم احمرار، أو يؤرّق ليلَهم خشيةٌ من عقاب.وفي محيطنا نجد ذات النهج والسلوك حاضريْن بقوةٍ، وإن بطرقٍ أقلّ مهَنيّةً وذكاءً وأكثر فجاجةً، إضافةً إلى القبيح من مفردات الشتم والقذف وعنتريات التهديد تعبيراً عن السلطة التي نعشق.  

ليس لخبرٍ صدقيةٌ مؤكّدة. كل الأخبار لها فريقٌ يستقبلها بالتصديق وفريقٌ بالتكذيب، والكثيرون في الحالتين من دون تمحيصٍ أو استحضار دليل. الناس أسرى قناعاتِهم وأهوائِهم ووسائلِ الإعلام والاتصال التي تعزّز – وإن بالكذب – صحّة اختياراتهم. ليس مهماً أين تكون الحقيقة حينما تتساوى مع الزّيف؛ لكلٍّ منهما جمهوره الأسير. أصبح الكذب جزءاً من مهارات العمل السياسي على وجه الخصوص؛ ليس محموداً لذاته أو مذموماً لذاته، بل بنتائجه. ويبقى الكذب وصناعته والكذابون ما دام سبيلاً لتحقيق المصالح.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *