نحو طيّ صفحة؟

ذَكَر فئةً من فئات الصراع على السلطة المحتدم في السنوات الأخيرة، وقال غاضباً مستنكراً: “تصوّر أنهم يتجولون في شوارع المدينة!” النظر في مثل هذا القول يمتدّ بالتفكير إلى دائرةٍ أوسع؛ تظهر فيها صورةٌ من الإحساس بالظلم ومن الكراهية كعنصرين من عناصر المشهد العام.

رجال ونساء السلطة والساعون إليها تحت رايات الوطن والدين والقبيلة شرقاً وغرباً – من دون تعمّدٍ للتعميم ـ لا يرون حُسناً في غير الذات والصَّحب والمغنم، ولا عيباً في سقوط الوطن في قبضة الدول، فتلك طبيعة موازين القوى الدولية، يقولون. لا يرضوْن شراكةً في السلطة من أحد، وإن قبلوا اقتسامها مع البعض إقصاءً للبعض الأخر، على مضضٍ وإلى حين، وبديلاً عن الخروج أصفار اليدين. وليس الليبي ’الآخر‘، المختلف في فكرٍ أو توجّهٍ شريك وطن، بل خصماً نصيبُه الفجور من سبّ وشتم وطعن ووقيعة. تحكم العلاقاتِ كراهيةٌ، وحرصٌ على الغنيمة وعملٌ على إلغاء الآخر بكل سلوك ووسيلة. وتنشط القنوات والمواقعُ وصفحاتُ التواصل في نشر الفتنة والتلفيق والافتراء، أسلحةً في الصراع الدائر على المال والسلطة وفي علاقات الكراهية بين أطرافه.

يفتقر مجتمعنا إلى بيئة صحية توفّر فرص التنافس العادل والشريف في ميادين العمل والإنتاج وتفتح أبواب المبادرة والابتكار، ولا بديل أمام الناس في سوق الكسب – المشروع وغيرِ المشروع – منذ أكثر من نصف قرن عن خزانة الدولة والممسكين بمفاتيحها. انخرط الطامحون والمتطاولون والجماعات في سباقٍ محموم نحو السلطة، والتحق بهذا وذاك طامعون في ’حصصهم‘. وافترق الذين ’وصلوا‘ عن جموع الواقفين في طوابير المصارف والمنافذ؛ وفصَلَت بينهم مسافة بعيدة بُعد مرتّبات وامتيازات من في السلطة عن الجموع. وتعمّق الإحساس بالظلم، المحفِّز للكراهية.

إقامة العدل بمعناه الواسع مطلبٌ قد لا يكون – لأسبابٍ موضوعية عديدة – قريب المنال، ولكن الحدّ من غلواء الظلم الواقع على السواد الأعظم من الناس، الشركاء في الأرض والثروة، ليس مستحيلاً. ولتكن البداية بتقليص فجوة المرتبات والامتيازات بمظاهرها الباذخة من أسفار وفنادق وطائرات وعُهد وبدلات، وليتنقل المسؤولون الكبار من مقراتهم في الشرق والغرب بين الرجبان ويفرن وفرزوغة وتاورغا ومراده وتاجورا وأوباري ومرتوبه، أكثر مما يتنقلون بين لندن وروما وميونيخ وشرم الشيخ وقمّرت ويغيّرون الجو فيها. ليس واقعياً أن يُطلب منهم العودة إلى مداخيلهم قبل فبراير، ولكن لينظروا في إصلاحاتٍ تُـيسّر حياة المواطن وتحدّ من مشاقّها ومخاطرها. هامش التحسين الممكن واسعٌ جداً في مجالات مثل الرقابة على الأدوية والغذاء وتنظيم المرور والمطارات وجمع القمامة، وغير ذلك كثير مما ينضوي تحت إطار تحسين الأداء الإداري والفني بعيداً عن مناكفات السياسة والصراع على السلطة. وليواجهوا الفساد، بدءاً بأعلى مراتب الدولة، فالبدء بالأدنى لن يفيد.   

وطبيعة الخطاب بين أطراف السلطة والساعين إليها والمهتمين بها بحاجة إلى نظر ينقل الخطاب من لغة الكراهية إلى لغة الاحترام والاستماع بين شركاء يجمعهم ذات الوطن وذات المصير، متساوين في ظلّ الدولة وأمام القانون، ومسؤولين أمام خالقهم من دون وصايةٍ من مخلوق، ومن دون سلاح يرفعه أحدهم بوجه الآخر. ومن اللازم في هذا الاتجاه تهذيب الخطاب الإعلامي المنبعث من الفضائيات والمواقع والصفحات. تهذيب الخطاب سيساهم في تمهيد الطريق  لقبول الآخر، آمنين في منازلهم وأعمالهم، من دون إقصاءٍ أو إدانةٍ خارج دائرة القضاء، آمنين في تجوالهم بشوارع بلادهم، ومن دون مِنّة من أحد.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *