بآثارهم يُذكرون

في الأوقات العصيبة على وجه الخصوص مواقفُ واختباراتٌ تَمِيز الحَسَن من الرديء، والصَّلب من الرخو. وذلك ما كان في حقبة الاستعمار الإيطالي لليبيا، ويكون في كل زمان.

جرائم حرب وإبادة

أصبح المارشال بادوليو حاكماً عاما لليبيا في يناير 1929. حاول في بداية عهده إخماد حركة الجهاد باللين والاستمالة، ولكن سياسة بادوليو تلك لم تُؤته ما كان يسعى إليه، فتراجع عنها باتجاه مزيدٍ من العنف والخشونة: “أرى الوضع في برقة شبيهاً بكائنٍ مريض، يظهر على أجزاء من جسمه دمّلٌ وقيْـح. الدّمّل والقيح في هذه الحالة هو أدوار عمر المختار… إن شفاء هذا الكائن المريض يحتاج إلى تدمير أصل الداء وليس أعراضه.” وأقدم بادوليو على إغلاق الزوايا السنوسية ومصادرة أملاك السنوسية، ونزَع السلاح، وفرَض عقوبة الإعدام للمتعاونين مع المجاهدين، ومنع التجارة مع مصر مصدَرِ المقاومة المهمَّ للمؤن والسلاح. وطافت ’المحكمة الطائرة‘ بأنحاء البلاد؛ تُصدر أحكاماً بالإعدام لنُنفّذ علناً وفوراً. وتمّ على يد هذه المحكمة، ما بين أبريل 1930ومارس 1931، إعدام 133شخصاً.

لم يتمكن المارشال جراتسياني رغم كل تلك الإجراءات من هزيمة أدوار عمر المختار، فجاءت في يونيه 1931مرحلةٌ أخرى تم فيها ترحيل سكان الجبل الأخضر إلى معتقلات جماعية في 15معسكراً، من أشهرها البريقة وسلوق والعقيلة، حيث بلغ عدد المهجَّرين المعتقلين فيها ما بين 90و 100ألف شخصاً، قضى منهم ما يُقدَّر بخمسين ألفاً. يصف بعض المؤرخين تلك الاعتقالات بالإبادة الجماعية. وكان في سياسة التهجير والاعتقال تلك مصلحةٌ أخرى تمثّلت في أن الجبل الأخضر أصبح خالياً وآمناً لاستقبال المستوطنين الطليان. (المرجع 1).

لم يخضع أو يقبض مالاً أو يسلّم

سقط عمر المختار على أرض المعركة ووقع أسيراً بيد الطليان. أُجريت له محاكمة صورية بمدينة بنغازي استغرقت نصف ساعة، حُكم عليه فيها بالإعدام شنقاً.

من كلمات عمر المختار في التحقيق معه في 15سبتمبر 1931واستجوابه أمام المحكمة في اليوم التالي، (المرجع 2):

  • لم أخضع أبداً للحكومة الإيطالية.

  • لم أستلم من الحكومة الإيطالية مالاً أبداً (وهو نفيٌ لم تعارضه النيابة).

  • أكرّر أنني قد شاركت في جميع المعارك. وإذا لم أكن في بعض الأحيان موجوداً، فتلك العمليات كانت هي أيضاً تحت أوامري.

  • أُنكِر بشكلٍ مطلق أنه كانت هناك أي نيّة للاستسلام.

  • لست آسفاً على ما قمت به فتلك إرادة الله.

أعدم الإيطاليون أسير حرب يبلغ من العمر ثلاثة وسبعين عاماً. نفّذوا حكمهم بإعدام عمر المختار شنقاً، بمعتقل سلوق صباح يوم16سبتمبر 1931، أمام عشرين ألفاً من المعتقَلين. بقي ذكره فخاراً لأمته ووصمة عارٍ في جبين شانقيه؛ وخمدت المقاومة. فشل بادوليو في تحويل المعتقلات إلى مَواطنِ إقامةٍ دائمة، وبدأت في النصف الثاني من عام 1932إعادة الناجين من المعتقلات إلى مناطق محددة من  الجبل الأخضر تسهُل فيها السيطرة عليهم وحيث لا يعيقون برنامج توطين الإيطاليين. (المرجع 1)

الدوتشي حامياً للإسلام

قام الزعيم الفاشستي (الدوتشي) بزيارة إلى ليبيا في الفترة ما بين  12و 21مارس 1937، مرّ خلالها بمدن الساحل الليبي من طبرق إلى زواره. وخلال تلك الزيارة تمّ إعلان الدوتشي حامياً للإسلام وتسليمه سيف الإسلام. وقد جاء في خطاب تسليم السيف الذي ألقاه يوسف خربيش ما يلي:

“بالنيابة عن عساكر ومسلمي ليبيا المفتخرين بشعورهم أنهم أبناء إيطاليا الفاشستية، أتشرف بأن أقدّم لكم يا أيها الزعيم المظفّر سيفَ الإسلام هذا القاطع. إن العالم الإسلامي بأجمعه لتهتزّ قلوبه في هذه الدقيقة إلى جانب قلوبنا مُفعمةً إعجاباً وآمالاً، إذ ترى في شخصك رجل الدولة العظيم القابض بيده المتينة على أعنّة مقادير قومٍ يُخلصون التابعية لإيطاليا الآن وعلى الدوام.”(المرجع 3).

وشحذ شعراء هممهم فنظموا من القصائد ما كان في نظرهم يليق بمقدم الدوتشي (الزعيم). ومنها، كما وردت في “ليبيا المصورة”، عدد فبراير – مارس 1937، قصيدة أحمد الشارف، ومن أبياتها، (المرجع 4):

بالحزم أصبح موسوليني مالكاً ** ثقةَ البلاد فأصبحتْ تهواه

ومهمةُ الإقدام قد تَركت له ** أثراً يطيب مدى الزمان شذاه

قد شاقه الوطنُ العزيز فزاره ** ورآه حقاً من حقوق عُلاه

لم يتّخذ إلا الوفاءَ له أباً ** والصدقَ خِلاً والثباتَ أخاه

أخذتْ بناصية الزمان يمينُه ** والشعبُ أصبح تابعاً لرضاه

وقصيدة محمد عبد القادر الحصادي التي كان من أبياتها، (ذات المرجع 4):

لمن هذا السنا والاحتفال ** لمن تسعى السنابك والرجال

لمن خفقت بيارق جيش روما ** لماذا غصّ بالعرب المجال

خطيرٌ في النزاع فليس يخشى ** شعوباً جاءه منهم جدال

زعيمٌ زارنا ليرى ضِعافاً ** بعين الرفق لكي تزدان حال

لقوة رأيه خضعت شعوب ** عيانا بعد ما زال الخيال

بني الرومان عُزمة موسوليني ** بكم نجحت يقاربها الكمال

جاءت زيارة موسوليني ولم تكن قد مرت على إعدام شيخ الشهداء أكثر من خمس سنوات ونصف السنة، ومدةً أقل من ذلك على إغلاق معتقلات الإبادة. ولو تشِ خطابات بعض الليبيين وأشعارهم بحرجٍ لدى أصحابها في المجاهرة بالخضوع لإيطاليا والتبعية لها، فالقوم “يخلصون التابعية لإيطاليا الآن وعلى الدوام”، والشعب “أصبح تابعاً لرضا [الدوتشي]” و”البلاد تهواه.”

صورٌ تتوالى

تفضّل الذاكرة الجمعية طمس الفقرات السيئة من التاريخ – مثل فرق ’البنده‘ من الليبيين العاملين مع الطليان – وراء الهالة المستحَقَّة لأبطال الجهاد؛ ففي ذلك راحة. ولكن صوراً من تلك الفقرات لا تكاد تختفي حتى تظهر من جديد، في ثوبٍ جديد وخطابٍ جديد، ومن غيرِ أن يكون في سلوك وأطماع أصحابها جديد. سلوك العامة والنخبة، من شيوخ وموظفين وعلماء دين في ذلك الزمن، موثّق بالصوت والصورة. والموثق من أحداث زمننا هذا أشد وضوحاً وتفصيلاً واستدامة.

ويرحل المسيؤون من دون أثرٍ يُذكر – حين يُذكر – إلا بالذّمِّ والاستنكار. الوجوه جديدة قديمة والملابس والكلمات، نراهم كلّ يوم في ليبيا وبطول المنطقة العربية وعرضها وفيما وراءها، سعداء بصَغارهم وانسحاقهم ومكتسباتهم. ولكن حب الأوطان والجهاد والشهادة تسمو فوق ذكرِهم وما يجمعون من مالٍ و’وجاهة‘.  

————————————————-

(1): Anna Baldinetti, pp 45-48, The Origins of the Libyan Nation, Rutledge Studies in Middle Eastern History.

(2): Enzo Santarelli, Giorgio Rochat, Romain Rainero and Luigi Goglia,Omar al-Mukhtar, pp 144-156, The Italian Reconquest of Libya, Darf Publishers Ltd, London.

(3): مجلة “ليبيا المصورة”، العدد السادس الصادر في مارس 1937.

(4): مجلة “ليبيا المصورة”، العدد “الممتاز” الصادر في فبراير- مارس 1937.

 

 

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *