قصةٌ لم تتغير

تفرّدت الرؤية. جرّمت وأقصت وظلمت. فريدةً كانت. رحل صاحبها ليتهدّم البناء، بتشوّهاته وبمحاسنَ بانت بظهور نقائضها. ملأ الفراغَ صخبُ الانتصار وضجيجُ المنتصرين، وابتلعت دوّامةُ الانهيار الكبير مناضلين من وراء البحار وأسوار السجون، وطامحين وطامعين، وصادقين وكاذبين. الكراسي ومفاتيح الخزائن، لا الأمانة، مبلغُ همّهم. لا مبدأً أو فكرةَ وطنٍ جمعتهم، فتفرّقوا على الموائد. طفا على السطح انتهازيون اغتصبوا مقدّراتٍ رأوا فيها تعويضاً عن حرمانٍ طال حتى لاح من بعده الفرج. نضالهم سلالم تؤدّي إلى حيث إشباع أطماع لا تشبع. أوقعوا الفريسة وتصارعوا على أشلائها. هي ’حالة الطبيعة‘، مباحٌ فيها للجميع أن يضع اليد على كل شيء؛ متحرّرين من كل القيود. قامت حروب الجميع ضدّ الجميع، وبدت الحياة في صورتهم، مقفرةً فقيرةً قبيحةً متوحشة.

تعددت الهياكل. فتحت الشرعيات دكاكينها، تروّج لبضائع فاسدة منها الوافد ومنها نتاج خيالٍ مريض. وتشابه البقر. الكلّ يطعن في شرعية الكلّ، في سفسطة ولغوٍ واستقواء بالغريب ضدّ القريب، لا نفع فيها لفقيرٍ أو ثكلى أو يتيم. ليس لهم رسالة تنقذ وطناً أو تُنصف محروماً. يتكسّبون، لا يشبعون ولا ينتهون. كل الأدوات عندهم مباحة، وكلها – في غياب الحساب – متاحة، بالتدليس والتزوير وبالسلاح والنهب البواح. يصنعون المحنة. يغرسون الأجنبي في الجسد، ويرجون الحلّ على يديه، ويبكون السيادة. قِـبْلِي حارقٌ مُهلِك أسموْه ربيعاً؛ يعجز الخيال عن تصوّر صيفه أو خريفه.

القصة لم تتغير. هي قصة سَحقٍ وإلغاءٍ وتغييب؛ ورضا بالواقع كيفما يكون، وبالفتات مِنّةً من القابضين على الخزائن. بسطاء اليوم هم بسطاء الأمس، يتذرعون بالصبر ويدعون بالفرج، إلى أن يأتي فصلٌ جديد، فهذه فصولٌ لا تستقيم ولا تدوم.

المختار ليس فِلماً ولا ماضياً؛ هو حاضرٌ وهو مقبل. هو فكرة وخُلُقٌ ودين. لم يولد ليمضي بل ليعود ما عادت المِحن وأقيمت لبيع الأوطان أسواق.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *