عندما يتحوّل المنكَر إلى عادي

قضى القانون رقم 4لسنة 1978بأن لكلّ مواطن بلغ سنّ الرشد الحق في تملّك سكنٍ يقيم فيه، وبأيلولة المباني السكنية وغير السكنية والأراضي الصالحة للبناء للدولة فيما عدا ذلك. وأصبح على كل مستأجرٍ سداد إيجار سكنه للدولة وإتمام إجراءات تملّكه معها.

كيف تعامل الليبيون مع استيلاء الدولة على عقاراتٍ ومبانٍ و’إرضاخ‘ ساكنيها على دفع إيجاراتها وتملّكّها في علاقةٍ بينهم وبين الدولة تتجاوز حقوقَ ورِضا أصحابها، في عدوانٍ على الممتلكات وتحدٍّ صريح لتعاليمَ ومبادئ أصيلة في الدين والعرف، تُنكر السكن في بيتٍ ’مغتَصَبٍ‘ من صاحبه و’لا تُقبل فيه الصلاة‘؟

كان الأمر في البداية موضعَ رفضٍ واستهجان عامّيْن، ومن ثَمّ تدرّج نحو القبول – وإن على مضض – نتيجةَ الحاجة إلى ’تسوية الوضع مع الدولة‘ وتحت ضغط الأمر الواقع، بينما لم يخّلُ من قبولٍ دافِـعُه الطمع من ناحية، وتوسّعُ دائرة القبول بالأمر الواقع من ناحيةٍ أخرى.

كان الموقف الأوّليّ منسجِماً مع قِيَمٍ عُدَّت ثابتةً، كونها جزءٌ من إرث الأمة، الراسخِ في ضميرها، شديدِ الارتباط بأحكام دينها. ولكن تلك القـيَم تخلخلت، وحلّ استسهالٌ للعدوان على الممتلكات، وزاد التوجّس والحذر في علاقة المواطنين بعضِهم ببعض. أصبح العدوان على مال الغير جزءاً من معاملاتٍ ’قانونية‘ واسعة، وتحوّل المنكَر إلى ’عادي‘.

وكذلك الأمر في موضوع الفساد. لا يخلو بلدٌ أو زمانٌ من درجةٍ من الفساد. كانت ضئيلةً في العهد الملكي؛ تضخّمت في عهد سبتمبر، ووصلت إلى أبعاد فلكية فيما تلا ثورة فبراير. اليوم، نرى الفساد سافر الوجه، في نهبٍ وسفَـهٍ لا سبيلَ ولا حاجة للفاسدين لإخفائهما. عندما أسمع موظفاً شاباً يطلب مبلغاً على قيامه بواجب وظيفته، مبرِّراً فساده بأنه “عادي يا أستاذ.. إنه بزنس”، أرى الفساد قد أصبح بالفعل “عاديّاً”، جزءاً من ثقافة متغيّرة، حتى لم يعُد فيه عيبٌ أو إثمٌ أو مَسَـبّةٌ أو حساب.. عادي.

في اغتصاب البيوت من أهلها، والفساد المالي من أعلى قمم أهرامات المسؤولية إلى قواعد العمل والمعاملات بين الأفراد، عدوانٌ استُسهِل واستشرى واتّخذ أشكالاً من الجريمة، أدناها الرشوة في سبيل الحصول على حق، والرشوة مقابل تجاوز القانون، إلى سرقة خزائن الدولة، واستعمال السلاح، وحتى ترويع العباد وإزهاق الأرواح… “عادي” يقول المعتدون.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *