أيّ دولة نريد؟

الولايات المتحدة الأمريكية، مملكة النرويج، دولة اليابان، جمهورية الكونجو الديموقراطية وجمهورية السودان ودولة ليبيا… هي ستُّ دول من بين 193 دولة ’ذات سيادة‘ عضوٍ في منظمة الأمم المتحدة. أشكالها وطبيعة الحكم فيها مختلفة وعديدة، وكذلك هي في ثقافاتها ودرجات تقدمها المادي ورفاه مواطنيها. منها ’دولٌ‘ لا تملك مقومات الدولة، ومنها ما لا نصيب لمواطنيها من دورٍ حقيقي في تحديد وِجهة أوطانها وحكمها، وليس للإنسان فيها حريةٌ واحترام رغم الشعارات والدساتير وصناديق الانتخاب. وهذه ظاهرةٌ تتجاوز الاختلافات في أشكال الدول، ونُظم الحكم فيها من ’ديموقراطية‘ أو استبدادية أو دينية أو عسكرية أو عشائرية أو غيرها. المسألة أبعد من ظاهر الأشكال والنّصوص وصناديق الاقتراع.

من السلطات التنفيذية في بعض الدول من يزاحم السلطة التشريعية اختصاصها التشريعي – بما فيه ما يتعلّق بالإنفاق العام والضرائب –  متى رأت لذلك ’ضرورة‘، في حين تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها من دون التزام بالضروري أو الأصول الواجبة. أما تطبيق القوانين وتنفيذ أحكام القضاء فهي خاضعةٌ لتقدير الجهة التنفيذية المعنية والمصلحة والمناسَبة. عندها تكون السلطة التنفيذية فد استحوذت على كل السلطات استحواذ أمرٍ واقع أو تجاهلاً يشّل السلطة المختصة – المنافِسة لها لا الذراع المكمِّل لمؤسسات الحكم – عن واجباتها، ويصبح المسؤول فوق الحساب عن انتهاك القانون وتجاوز الصلاحيات والتقصير في الواجب.

ويجرّ ذلك الوضع استسهالاً لتحقيق المصالح الخاصة بكل السبل، واستشراءً للفساد وهدراً للموارد والطاقات والوقت، وبيئةً ملائمة لاستفحال العصبية والجهوية والقبلية والمحاباة، وتكون زاوية النظر إلى المصلحة أضيق من أن تستوعب هموم الوطن ومعاناة المواطن وصنع المستقبل.

سيادة القانون والفصل بين السلطات والمحاسبة الناجزة لكلّ مسؤول شروط لازمة لبناء الدولة، ورفع المعاناة عن المواطن وصولاً إلى رفاه عيشه وكرامته ومَنَعة الوطن. كل توجّه لا يؤَمّن تحقيق هذه الشروط في بنائه وأشخاصه – عن أي طريق جاؤوا – لن يؤدي إلى الخلاص، بل سيكون مجرّد محاكاة لأشكال هنا أو هناك وتكراراً لذات التجربة بفسادها وتشظّي مؤسساتها ومخاطر ضياع الوطن. سيكون تمديداً للمحنة في أشكالٍ جديدة.

الحلّ للأزمة الليبية لا يكمن في الانتخابات وحدها – رغم بريقها وبريق المناداة بها – ولا في المنتظم الدولي والمجموعة الدولية، بخططها ونواياها المعلنة والمُضمَرة، والتنافسِ المكشوف بين مصالحها، والتضاربِ مع المصالح الليبية في جوانب منها. وأمامنا درس فلسطين على مدى سبعين عاماً، والكونجو وتجربتها مع بعثة أممية عمرها عشرون عاماً وقوات دولية وخمسة ملايين قتيل وثالث انتخابات رئاسية تجرى هذه الأيام منذ سنة 2002.

الليبيون مسؤولون عما آل إليه حال البلاد، ووحدهم المسؤولون عن إخراجها من محنتها وبناء دولةٍ منيعةٍ قادرةٍ على توفير الأمن والعدل والرفاه وأسباب التقدم لمواطنيها؛ ولن يكون غيرهم قادراً، وإن رغِب.

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *