وأسموْه ربيعاً عربياً.. ليبيا مثالاً

بعد أربعة عقود من السلطة المطلقة كان النظام الليبي مهترئاً غيرَ قابلٍ للمزيد من البقاء، وقد تدهورت مرافقُ البلاد، واشتدّ الفساد، وانسدّت آفاق العمل أمام الشباب. بات أفول ذلك العهد قريباً، بعدما أشقى كثيراً وأهلك كثيراً وأجهض مسيرة استقلالٍ واعدة رغم هِناتٍ وانتقاداتٍ لا يخلو منها عهدٌ في أيّ زمان. وحلّ فبراير 2011مؤْذِناً بإطلالة عهدٍ جديد ينطلق فيه الليبيون من عقال استبداد الفرد ونزواته، على الطريق لبناء مستقبل كريم.

وبعد مرور ثماني سنوات انكشفت خلالها جوانب مما كان يجري، يجدر أن تُطرح الأسئلة عما ما نحن فيه؛ كيف كانت البداية وآمالها، وكيف حدث الانزلاق الكبير إلى ما نراه. لقد كان في “بيان انتصار ثورة 17فبراير” عبر إذاعة “صوت ليبيا الحرة” من بنغازي، يوم 22فبراير 2011، تعبيرٌ عما يجيش في صدور المواطنين في الشرق المحرَّر من سلطة النظام وقتها، وفي كافة أنحاء البلاد، التوّاقين لميلاد عهدٍ جديد، يتحقق بانبثاقه: “احترام حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وبناء المؤسسات الوطنية على أسسٍ تكفل المشاركة الواسعة والتعددية والتداول السلمي الديموقراطي للسلطة” كما جاء في البيان.

تلك كانت الدولة التي خرج الليبيون في طلبها؛ تحققها قيادة لها الرؤية وتمتلك القدرة على توظيف الطاقات والموارد لتُترجَم الآمال إلى حقيقة على الأرض. أما مجرد إسقاط النظام فلم تكن فيه وصفةًّ سحرية تبني شيئاً، بل مقدّمةٌ للهدم والإفقار. وكان الواقع منذِراً بما هو أسوأ، فقد نشطت مبكّراً جماعاتٌ وتنظيمات عتيدة تدعمها دولٌ تولّت أمر ’طبخةٍ فسدت‘ كما وصفها رئيس وزراء قطر فيما بعد، إعداداً للانقضاض على السلطة وحرف المسار إلى وِجهةٍ لم تكن أبداً الوِجهة التي أرادها الليبيون. سقط النظام ولم تظهر قيادةٌ تُجهض الطبخة الفاسدة، وتبنِي.

كان النظام مسؤولاً عما وصلت إليه البلاد من وضعٍ متفجّرٍ وما آلت إليه جرّاء خياره العسكري في مواجهة الثورة. وكان في الرتل الجرار المتّجه نحو بنغازي والتهديدات المرعِبة المصاحبة له خطأٌ كارثي أسهم في تشكيل مسار الأحداث منذ الأسابيع الأولى للثورة.وكان إنقاذ بنغازي من دمارٍ محققٍ، وظهور فرصةٍ سانحةٍ لإسقاط النظام، المحرّكيْن الرئيسييْن للترحيب بالتدخل العسكري الأجنبي. وتأسّس ذلك الترحيب – أو الدعوة إليه – على فرضية التقاء المصالح وثقةٍ غيرِ مدقّقة – وغيرِ مستحَقَّة – بالنوايا المعلَنة للدول الغربية المتدخّلة وقطر، على وجه الخصوص. لم تبدُ تلك الاستعانة خياراً مبنيّاً على دراسةٍ عميقة أو اعتبارٍ لبدائل شكّلتها معلوماتٌ واستظهارٌ للدوافع الحقيقية وراء ’حماية المدنيين‘ يُعين على إدراكها تاريخٌ عربي معاصر وواقعٌ مليءٌ بالمآسي والخيبات. الأقرب هو أن توسيع الناتو لأغراض عملياته من حماية المدنيين إلى إسقاط النظام، ودور دُوله في إدارة الصراع، لم يكونا موضعَ دراسة أو تصوّرٍ للنتائج المحتملة على مستقبل البلاد. أما الأنظمة العربية فكانت قد سيقت – أو هي بادرت – إلى حملاتٍ تدميرية طالت العراق أولاً ومن بعده ليبيا وسوريا واليمن، ولا تبدو المتوالية قد وصلت إلى نهايتها بعد.

المشهد الماثل أمامنا لا يسوِّغ أن يكون التدخل الأجنبي محرِّراً أو منقذاً من استبدادٍ أو فساد حكم. يصعب أن يكون التدخل الغربي كذلك لأسباب عِدّة منها الارتباطُ العضوي بين الغرب والكيان الإسرائيلي على حساب الحقوق العربية الوطنية التاريخية والإنسانية، ما يجعل في الاستبداد والفساد والتبعية للغرب ضماناتٍ حقيقية لمصالحهما. لذلك، وغيره من اعتبارات تاريخية واقتصادية استراتيجية، ستظل الهيمنة الغربية ونتائج تدخلات الغرب على الصورة التي نراها عليها في أنحاء منطقتنا اليوم، أو أسوأ.

تبدّدت الأحلام، وظهر التطرّف والإرهاب والعمالة، وتجاسَر السُرّاق القادمون من كل حدبٍ وصوب سالكين كلّ طريق يحقّق أطماعهم وأطماع داعميهم. ووصلت المخططات إلى غاياتها، بوضع الناشطين في تنفيذها ورعايتها، والملتحقين بهم، اليدَ على مفاصل الدولة. وكان السقوط الكبير؛ انهدّت الدولة ونُهبت الخزائن، وضاع الاستقلال مَظهراً ومضموناً، واستلم الأجنبي زمام الأمر مؤتمَناً على إخراج البلاد من محنةٍ كان هو، وهُم، صُنّاعَها.

وأسموْه ربيعاً عربياً.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *