ليبيا والسلامة

بدا المُقبل واعداً بحرّية ورفاه، ولكن ما تطورت إليه الأحداث كان كارثياً. الإجابة عن كيف تحوّل الحلم إلى كابوس يرفض أن يتزحزح، تنتظر ما ستكشفه الأيام من خفايا حبيسةٍ في العواصم والصدور، وإن كانت الصورة لم تعد معتمةً تماماً.

نجاح الثورة واكتمالها يستلزمان البناء بعد الهدم. كانت عملية الهدم كاسحة وبلا قيود؛ لم تُبقِ أثراً يُذكر لقدرةٍ تُـنْفِذ القانون وتُقيم هيبته، أو لمؤسسةٍ من مؤسسات الدولة. ولم تظهر في الجانب المقابل قيادة ذات رؤيةٍ وبرنامجٍ يلتف حوله الناس من أجل بناء الدولة الجديدة. ونشأ فراغ كبير ملأته القوى الخارجية، الغربية ’المحرِّرة‘ تحديداً، لتقبض أثماناً فوق تخلّصها من خصمٍ قديم. وبسطت الدول التي يحلو لها أن تُعرف باسم ’المجموعة الدولية‘، وتحت عباءة منظمة الأمم المتحدة، وصايتَها على الشأن الليبي في تفاصيل حاضره وصورة مستقبله.

المنظمة الدولية شأنها في الشكل شأن كل المؤسسات. لها جمعية تضم كافة أعضائها (المساهمين)، ومجلس إدارة يتمثل في مجلس الأمن الدولي الذي تسيّره وتشكّل قراراته في الواقع الدول الخمس دائمة العضوية، وتقتسم ملفاتٍ لها فيها الكلمة الأعلى في تشكيل سياسات المجلس. وللمنظمة أمانة عامة تدير شؤون المنظمة بما يحقق تنفيذ أهدافها وقراراتها بكفاءة. إلا أن هرم السلطات مقلوب، فالجمعية العمومية كيانٌ هامشيٌّ، لا هي تعيّن إدارةً ولا تحاسبها على شيء، والسلطة العليا لمجلس الأمن.

عيّن الأمين العام “مبعوثاً خاصاً” له في ليبيا هو الآن الدكتور غسان سلامة، خلفاً لعدد من المبعوثين من قبله. المبعوث الخاص – كان من كان – يعمل تحت إشراف وتوجيه الأمين العام، لتنفيذ سياسات وقرارات مجلس الأمن، وهي سياسات ’المجموعة الدولية‘ إياها بالنسبة لليبيا والتي لا يملك الأمين العام أو ممثله أن ينحرف عنها.

الحملة القاسية القائمة ضد الدكتور سلامة في هذه الأيام تفترض للرجل سلطةً في تقرير وِجهة إدارة الأزمة الليبية ووضع الحلول لها، وتُحمّله وِزر سياسات وأطماع دول يبقى الممثل الخاص موظفاً مكلَّفاً بتنفيذ ما يتقرر فيها من مجلس الأمن؛ هو ليس صاحب قرار في رسمها أو تعديلها. ليس في هذا القول دفاعٌ عن السيد سلامه، وليس فيه ما ينفي وجوهاً من اللوم له أنه عربي استبشر الليبيون بقدومه خيراً أو في أدائه.

المسؤولون عما آل إليه الحال هم الليبيون أولاً، بتسليم أمر وطنهم للأجنبي – إضافةً إلى ممارسات عديدة مشينة تُسجَّل في تاريخ ليبيا – والمجموعةُ الدولية ثانياً، عبر فرضها ’توافقاتٍ وترتيبات‘، وتعيين أطراف طيّعين في يدها وإن تنافروا فيما بينهم، ومحاباة تياراتٍ وجماعات تخدم مصالحها وتُوائم سياساتها في المنطقة العربية. أما تمدّد دور المبعوث الخاص إلى ما يشبه الحاكم الآمر فتلك مسؤولية اللاعبين الرئيسيين في المشهد السياسي الليبي لا مسؤوليته هو.

السلامة تكمن في تغيير الليبيين ما بأنفسهم، وتوجّههم نحو تحرير البلاد من هيمنة الأجنبي. وما المبعوثون غير تفاصيل.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *