سمومٌ سارية

في مراجعةٍ لبعضٍ من أوراقي القديمة وقعت بين يديّ رسالةٌ كنت قد بعثتها إلى قناة “الجزيرة” القطرية في شهر مايو سنة 1997. أدهشني – بعد الرسالة بأكثر من عشرين عاماً – أن الشكوك حول أهداف القناة قد برزت في وقتٍ قصيرٍ بعد انطلاقتها في 1 نوفمبر 1996. لكننا لم نشَأْ أن نصدّق، فقناة الجزيرة دخلت إلى بيوتنا صُحبةَ نسيمٍ منعشٍ لم نكن نعرفه من قبل، فكان الإنكار الذي استمرّ حتى تمكّن، وتمكّنت معه الجزيرة من النجاح الكبير في تحقيق رسالتها القائمة على التضليل والتلويث وتحسين صُور العدوان وتبريره وقبول نتائجه، والجهر بالاستسلام كظاهرةٍ عاديةٍ مقبولة، حتى أصبحت الخيانة لدى البعض وجهة نظر، والصدقُ والأمانة وحبّ الأوطان من صفات عهودٍ بادت وثقافةٍ ولّت.

وسَرَت سموم الجزيرة، وبلغت سُمِّيَّتُها أقصاها مع قدوم الربيع.  

فيما يلي الرسالة التي وجّهتها إلى برنامج “الاتجاه المعاكس” في مايو 1997، والتي انكشفت فيما بعد الإجابات على التساؤلات التي انتهت إليها، ماثلةً على الأرض في ليبيا كما في الشرق الحزين:

بعد التحية والسلام،

قبل أن أتناول موضوع رسالتي هذه، أرى لزاماً علىّ أن أعبر عن وافر التقدير لفتح إذاعتكم باب الحوار الحرّ والجدل المباشر بين أطراف يمثلون منطلقات وتوجّهات متباينة في قضايا الوطن وهموم المواطن. وهذا أمرٌ لم يألفه المشاهد أو المستمع العربي. فالإعلام العربي بكافة بألوانه ليس لديه غير ذات السلعة، في نفس الرداء، وبنفس القدر من الرداءة. جاءت إذاعتكم لكسر القوالب المألوفة، فكانت مصدر إنعاش لأذهانٍ ساكنة لم يكن لها دورٌ فيما تتلقى.

وأصل إلى بيت القصيد من رسالتي هذه، والتي دفعتني لها حلقة “الاتجاه المعاكس” يوم 1997.5.8. ما من شيء في عالمنا هذا مطلق. والأمر كذلك فيما يخص حرية التعبير والنشر. حرية النشر في الغرب نفسه – محراب الكثيرين منّا – ليست غير مقيدة، بل تحكمها مصالحُ مجتمعاتها وقيمُها وغاياتُها. والأمثلة على ذلك كثيرة، أستحضر منها ما يلي:

  • منع النشر في أي شكل من الأشكال لأفكار النازيين الألمان الجدد، ومطاردة الدولة (ألمانيا) لهم على شبكات المعلومات ووراء الحدود.

  • منع إذاعة تصريحات قادة “شِن فين” الأيرلندية بأصواتهم بالإذاعات البريطانية في عهد مارجرت ثاتشر. وهو أمرٌ لو صدر عن حكومةٍ من العالم الثالث لكان مثاراً للسخرية والتندّر.

  • كبْت وجهات النظر العربية والإسلامية في الوسائل والمحافل الإعلامية والتعليمية بالولايات المتحدة، باستخدام وسائل الترغيب والترهيب والابتزاز. وهذه قضية ناقشها ووثق لها الأستاذ إدوارد سعيد في العديد من كتاباته.

يرى الغرب أنه النموذج الذي ينبغي أن تحاكيه أمم الأرض لكي ’ترقى‘ إلى سموّ قيمٍ إنسانية حسِب أنه قد اخترعها، فنسبها لنفسه وأصبح الوصيّ عليها. وهو لا يتردد في إزاحة هذه القيم نفسها جانبا متى تضاربت مع مصالحه. يكفي أن نتابع كيف يضغط باتجاه احترام حقوق الإنسان. حقوق الإنسان عند الغرب أداة من أدوات تحقيق المصالح. الإنسان العربي لم يكن يوماً – لدى الغرب – ضمن البشر المعنيين بتلك الحقوق إطلاقاً.

وهنا يبرز سؤال: لماذا نحاكي دون اعتبار لمبادئ أو مقدسات أو مصالح؟

تفسح قناتكم المجال لتقديم وجهة نظر العدو نفسه على ألسنة (عرب) أمثال السيد قره داغي، وتوفّرون لأمثاله منبراً إعلامياً عربيا ذا ثِقل يطرحون من خلاله أراءً وحُججاً وتبريراتٍ تنطلق من معسكر معادٍ للأمة كياناً وحضارةً وعقيدة.

لقد وجد عرب كثيرون قدراً كافياً من الجرأة، وحتى الوقاحة، لكي يخاطبوا قومهم معلنين أن اليهود أصحاب حق في الأرض، لا يريدون غير حسن الجوار، وأن العقل يملي علينا قبول الأمر الواقع (أي اغتصاب الأرض والحقوق) والتعامل مع إسرائيل كدولة شرعية ومع اليهود كجيران، وأن استمرار المطالبة بحقوقنا عبثٌ وطيش وليست غير شعارات وخطابات. إننا نستمع بقدر كبير من الحزن لما آلت إليه أحوالنا على أيدي كتّابٍ ومثقفين كهؤلاء. إنهم هم الذين يعوّل عليهم العدو في زرع بذور اليأس والإحباط والهزيمة النهائية لدى عامة الناس. إنهم خُدّام الغرب واليهود المروجون للتسليم للعدو وباطله والداعون إلى التفريط  في الحقوق.

لهذا يبرز السؤال مرة أخرى: كيف تفسحون المجال العريض لأمثال هؤلاء؟ هل هذا هو المقصود ’بالرأي الآخر‘؟ وهل يتم لمجرد الحرص على حرية التعبير؟ وإلى أي مدى ستذهبون؟

وأخيراً – وأرجو المعذرة هنا – هل ذلك جزء من ترويض المواطن، ومن ثم جره إلى حيث يريدون؟ وأعود إلى ما سلف لأقول: أليست الصهيونية أكبر خطراً على العرب من خطر بقايا النازية على الألمان، ومن خطر الجيش الجمهوري الأيرلندي على بريطانيا؟ وأعيد السؤال: هل فتحت إذاعتكم أبوابها لأهل أوسلو وكوبنهاجن وأبواق المهرولين والمستسلمين بغرض التعويد والتهيئة ومن ثم القبول باغتصاب الحقوق وتدنيس المقدسات؟

إن المواطن العربي بحاجة إلى حريته هو في التعبير دون خوف في مواجهة حكامه، لا إلى حرية أعدائه في الدخول إلى بيته معبرين عن آرائهم نافثين سمومهم.

إن كانت الإجابة بالنفي فالشرح من جانبكم واجب، وإن كانت بالإثبات فهي مصيبة نضمها إلى اخواتها. وهن كثيرات في هذا الزمان.

تقبلوا مني التحية ووافر التقدير والاحترام.

  

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *