ثماني سنوات.. والعَـدّ مستمر

مِنّا مَن لم يتردّد في البيع مقابل مالٍ أو مَنصِب، ومِنّا مَن سَرق وتبجّح؛ ومِنّا مَن هرب بكنزه، ومنّا مَن بقيَ عاملاً على المزيد. ذلك – عند أولئك –  جَنَى ثورةٍ مباركة، بمعنى البَرَكة كما نجده في القواميس: نماءٌ وزيادةٌ وسعادة. انتسَب البعض زوراً إلى ثورة غايتها الحرية والعيش الكريم لكلّ الناس، ليضع ذلك البعض أيديهم على الغنائم ملكاً مستحَقاً لهم، فهُم صنّاع الثورة وهم حُماتها؛ وغيرُهم أزلامٌ، وعوامّ، ومضادّون للثورة، وآخرون لا حيلةَ لهم ولا أثر، سُلِبوا مقدّراتِ وطنهم، وسُرِقوا أحلامَهم، وجثمت على حياتهم الجريمةُ وإفلاتٌ من العقاب وظلامٌ ونقصٌ في الأموال وخوفٌ مما هو قادم.

جرى كلّ ذلك تحت عناوينَ وشعاراتٍ كاذبةٍ لم تستطع إخفاء حقيقةِ المغالَبةِ وطلبِ الغنيمة والطمعِ المتستّرة وراءها. ويحتفل المُترَفون الجُدُد، ومَن الْـتَوَتْ أعناقهم إلى الوراء شاخصةً أبصارُهم صوْب عهدٍ بائسٍ مستبدٍّ مضى، لا يروْن من بعده المحنةَ التي هوى إليها الوطن. من حقّ الجميع إحياء الذكرى أو العزوف عنه، كلٌّ على طريقته ووفق ما لحق به – وبالوطن متى كان له في القلبِ موقع – من مكسبٍ أو خسارة.

انتُهِكت البلاد من شَمالها ومن جنوبها. اقتحمها الغرباء، بأحذية جنودهم، وخداع مُخبريهم، وخُبث مبعوثيهم، وصُنّاع الموت في البحر وعبر الصحاري. وتحوّل ’أصدقاء ليبيا‘ بعد الفراغ من ’حمايتهم للمدنيين‘ إلى ’حلّ الأزمة‘ المترتّبة على سقوط الدولة، تحت مظلة الأمم المتحدة في الحالتين.  

ظهرت معالم ’الحلِّ‘ في صيف سنة 2014تحت عنوان “تقاسم السلطة”، في استباقٍ للانتخابات النيابية التي كان من المتوقع خسارة التيار الإسلامي فيها. ورغم تلك  الخسارة – أو بسببها – تمّ فرض ’تقاسم السلطة‘ تحت مُسمّى وفاق وطنيٍّ بين مَن نرى من قُوىً وأشخاصٍ متنافرين منحهم الأصدقاء صفة ’الشرعية الدولية‘. أصبح عندها المجلس الرئاسي وحكومته سلطةَ أمرٍ واقع تُعيِّن، وتُصدر الميزانيات، وتستقبل الإيرادات، وتنفق الأموال، وتبرم الاتفاقات الدولية، دون عودة إلى سلطةٍ تشريعية هي نفسها – مثلما كان المؤتمر الوطني العام قبلها – عاجزةٌ عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والأخلاقية التاريخية الواجبة.

ذلك ما أدّت إليه إدارة ’المجموعة الدولية‘ للشأن الليبي. في المقابل، لم يحظَ بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وحلّ المليشيات المسلحة وجمع السلاح بالأولويّة والجِدّية اللازمتين لبسط الأمن وإنفاذ القانون وبناء المؤسسات.

فشلَ ’الحلّ‘ الذي رعته ’المجموعة الدولية‘، وأصبح أداةً لإدامة الأزمة وتعميق الانقسام وتعطيل بناء الدولة؛ وكأنه ابتُكر أصلاً لكيلا ينجح. أمام هذه الصورة، لافتٌ ما حلّ بإقليمنا من انهيار دولٍ وجيوشها، وإرهابٍ، واستفحال فساد، وتقسيمٍ، وتبديد ثروات، وبؤس حياة؛ بفعلِ الغزو وحروبٍ غاياتها المعلَنَة إسقاط نُظم الاستبداد وإقامة الديموقراطية. أمّا الدول التي نجت من الحروب فقد أرهقها تردّي اقتصادها وكبّلتها الديون، فكانت هدفاً  لهيمنة الأجنبي عبر قروضِه وهِباتِه ومكرُماتِ القريب الذي لم يبخل أبداً في دعم التحوّلات الجارية بكل آثارها ومآسيها. في الأثناء، صعد نجم إسرائيل ككيانٍ يعترف العرب المهزومون بشرعية وجوده، ويواجه الفلسطينيون مصيرهم كـ ’سكانٍ أصليين‘ لا يختلفون عن الهنود الحمر والأبوريجينز.

ليس قَدَراً محتوماً أن تتوالى بلا نهايةٍ سنوات الضياع التي صنعها الطمع والمغالَبة والتطرف وتآمُر الأجنبي. آن الأوان لطيّ ولاية ’المجموعة الدولية‘ على الشأن الليبي، وإدارتها لأزمته. ليس الوقتُ وقتَ صراعٍ على السلطة والمال، ومحاصصاتٍ جهوية أو حزبية أكثر أطرافها لا يملك حضوراً بين الناس أو حظاً في صناديق الانتخاب، بل وقتَ عملٍ مخلصٍ غايته استعادة الاستقلال ووحدة الوطن ورفع المعاناة، يشارك فيه كلٌّ بما يستطيع. عملٌ يُفسِح له الطريقَ من ليس بوُسعه فعلٌ أو قولٌ حسن. عند ذلك تحِلّ البركة حقيقةً، ويتوقف عَـدُّ سنوات العناء، ويبدأ عَـدٌّ جديد.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *