الغائبان والإلهاء عنهما

من بنغازي

في طريقي من المطار تبادلت الحديث مع سائق الأجرة، فوجدته مستاءً مما يجري بمدينته. تظاهرة السلفيين المسلحة لم تكن بعيدة، وكانت قد توالت تفجيراتٌ واعتداءات طالت الصليب الأحمر الدولي والقنصلية الأمريكية وموكب القنصل البريطاني ومحل كوافير نسائي وأخيراً القنصلية التونسية، وحتى المقابر لم تسلم من الاعتداء، وذلك ما حدث بمقبرة النصارى. وهناك الاعتداءات الفردية المتفرقة. توقفنا عند إشارة مرور فقال إنه من الممكن أن تُطلق نارٌ فتصيبنا رصاصة طائشة داخل السيارة!

تدخل المدينة وتلتقي بأقارب ومعارف ومسؤولين، فتجد الحديث منصباً على الأمن مرةً أخرى، ومعه الفدرالية والسلفيون المتشددون والتعويضات والقمامة ومياه المجاري بالشوارع. ولكن ملف الساعة كان ملف تعويض السجناء السياسيين، بعدما انتهى الليبيون أو كادوا من ملفات علاج الجرحى وغير الجرحى بالخارج، ومكافئات الثوار وغير الثوار، ومكافأة العيد، وبيع الدولارات بالمصارف. البعض يرى – ساخراً أو جادّاً – أن تمتدّ يد الكرم هذه إلى ضحايا الحروب والمغامرات في تشاد وأوغنده وغيرهما، وإلى كل من تضرر من قرارات العهد الهالك، في نفسه أو عيشه أو ممتلكاته. ومنهم من يرى في الذي يجري عملية ممنهجة وغير مسؤولة لشراء رضا الناس لا غير.

وعودة إلى طرابلس

وفي طرابلس كان أبرز الأحاديث متعلقاً باختطاف السيد سليمان دوغة على يد مسلحين – وكلّ المسلحين يدّعون صفة الثوار – وإطلاق سراحه في نفس اليوم. وخرج دوغة ليروي ما حدث بتفاصيله التي تصلح جزءا من فيلم مرعب. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كان الرجل يلقى تلك المعاملة على يد أولئك المسلحين لو أنه تناول ليبيا بحديثه التلفزيوني وليس مدينة بذاتها؟  وهل عاد مصير حرية التعبير وكرامة المواطن وسيادة القانون إلى ما كنا عليه طوال تلك السنوات الإثنين والأربعين العجاف؟

وفي جبل نفوسه، كما في الكفرة، استراحة هشة، يُرجى أن تدوم.

الغائبان

إن فيما يجري – وما لا يجري – عملية إلهاء كبرى عما تحتاج إليه البلاد كشرطٍ سابقٍ للبدء في عملية بناء الدولة، بل ولتأمين الثورة ذاتها. ليبيا تحتاج إلى استتباب الأمن – الذي تفرضه مؤسسات الدولة ولا أحد سواها – ما يتطلب إنشاء الجيش والشرطة وأجهزتهما. وليبيا تحتاج إلى المصالحة الوطنية، ما يتطلب عودة سلطة القضاء ووضع مبادئ وآليات العدالة الانتقالية، التي من دونها لن تكون هناك مصالحة قادرة على الصمود طويلا. وعملية الإلهاء هذه قد يكون وراءها ما وراءها… ومَن وراءها.

الغائبان الرئيسان عن المشهد العام هما الأمن والمصالحة المستندة إلى أسس متينة من العدل والإنصاف. الأمن والمصالحة شرطان للنهوض مما نحن فيه، ويتقدمان كل اعتبار آخر… ولكنهما إما أن يكونا بعيدين عن أولويات المجلس والحكومة، أو أن المجلس والحكومة قد فشلا في هذا السبيل فشلاً ذريعا.

بناء الأمن وتحقيق المصالحة يتطلبان رؤية استراتيجية، وليس ردود أفعال على ما يجري هنا وهناك…  ولتكن لنا في مصر عبرة. لقد كان غياب الأمن – المبرمج ربما – سبباً في طلب قطاع واسع من الناس عودة النظام القديم ممثلاً في شخص شفيق. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

3 تعليقات على: الغائبان والإلهاء عنهما

  1. هدى الثلثي كتب:

    ربنا يستر عالبلاد
    نصبح كل يوم نبحث عن الأخبار، ونرجو أن لاتكون أسوأ من اليوم السابق.
    والسؤال إلى متى البحث والرجاء؟ ألم يحن الوقت بعد للبناء؟.

  2. تميم الثلثي كتب:

    السؤال هل الإلهاء متعمد؟ أم أن الإناء بما فيه ينضح؟ ولا يتقنون سوى الأمر بالصرف ؟ الأمر شجع المسلحين على اقتحام مبنى الحكومة والتهديد بدفع مستحقاتهم من الهبات والعطايا.
    كان الله في عون وزير المالية السيد زقلام، لا أعتقد أن عبد الجليل يستشيره في شئ يخص الوزارة !

  3. محمد عزوز كتب:

    أحسنت مهكدس نور الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *