الليبيون بحاجة إلى حصانة

لقد مرّ الليبيون بحقبةٍ عصيبةٍ استمرّت إثنين وأربعين عاماً من استبداد فردٍ طغى وتألّه؛ استعمل ثرواتِ الأمة وقدرات الدولة لتحقيق أحلام رجلٍ مريض، فبدّد الثروة وهدم الدولة… ورحل.

مئات آلاف الليبيين راحوا ضحية ذلك العبث والسّفه، بين قتلى بشتّى صنوف القتل في مختلف أصقاع الأرض، وبين مسجونين ومنفيين ومقهورين في أولادهم وآبائهم وأزواجهم وأعراضهم وممتلكاتهم. وبقي الليبيون على هذا الحال طيلة أربعة عقود ونيّف حتى أصبحوا أضحوكة العالم، وحتى يئس الصديق والقريب من أن يأتي يومٌ يظهر فيه فجر انعتاقهم ويوضع عنهم إصرُهم والأغلالُ التي عليهم.

الذي مرّ بالليبيين لم يكن كمثله شيء، وثورتهم لم تكن مثلها ثورة. وما نحن بصدد بنائه ينبغي أن يكون فريداً فرادة القهر الذي انقشع، وكفيلاً بألا يعود ذلك القهر أبداً.

دستور ليبيا الجديدة يجب ألا يكون تقليداً لغيره من الدساتير، بل أن يكون رائداً متميزاً، يعكس إصرار شعبٍ على القطيعة مع ماضيه القريب، ويضع من الضوابط والتوازنات ما يحول دون طغيان فردٍ أو فئة، ويفصّل حقوق المواطن وحدود سلطات الدولة بالقدر وإلى المدى الذي يمنع كل عسف أو ظلم… ميثاق يقول الليبيون من خلاله أن لا عودة للظلم واستبداد الفرد في ليبيا أبداً.

نريدها دولة العدل وكرامة الإنسان، وسيندرج تحت هذا العنوان العريض كل شيءٍ آخر. ولن يرقى إلى مستوى هذا المفترق التاريخي أن يتمّ إدراج ذلك تحت أحكام عامة تستعيد ما جاء في دستور هذه الدولة أو تلك. نعم، هي الحريات المعروفة من حرية المعتقد والتعبير والتنظيم وغيرها؛ والحقوق المعروفة من الحق في العمل والتعليم والرعاية الصحية والسكن المقبول وغيرها. ولكن ما مرّ بنا حريّ بالتأكيد أيضاً على تحصين المواطن ضد التعذيب والحبس الاعتباطي والإهانة وانتهاك الحرمات كلها، من جسدٍ وعرضٍ وخصوصيةٍ وممتلكات.

نريد سلطةً تنفيذية شفافة بحكم القانون، لا تكرّماً منها ومنّة، تعطي المواطن حق الاطلاع على ما يمكن أن يشي بظلم في حقٍّ من الحقوق أو في مصلحة وطنية. نريد أن يكون المسؤول في أعلى مستويات الحكم أو أدناها تحت أضواء كاشفة وأدوات متابعة متاحة للجميع، من خلال الحق في العلم والاطلاع على معلوماتٍ لا مسوّغ لحجبها. والموظف الممسك بأطراف مصالح المواطن اليومية –  تسهيلاً ومن دون محاباةٍ كما يجب، أو عسفاً وتعنتاً كما يمكن أن يكون – لا يقل أهميةً عن الموظف الأعلى.  

نريد المحافظة على ثروات البلاد الطبيعية واستغلال خيراتها استغلالاً مستداماً، والمحافظة على البيئة هواءً ومياهاً ونباتاً، فالثروات الطبيعية والبيئة هباتٌ من الله سبحانه ورثناها، ومن حق الأجيال القادمة علينا ألا نبدّدها أو نفسدها.

مقومات الدولة الجديدة هذه جديرة بميثاق وطني يعلو فوق غيره من التشريعات، وفيه من الضمانات ما يمنع كل تهاون بأحكامه؛ فيكون حصانةً للمواطن،  يُعمّم نشره بين الناس، ويُدرّس ضمن المناهج للناشئة على وجه الخصوص، فيكون الجميع مدركاً أن حقوقه وكرامته محميتان بحكم وثيقة سامية تحظى بإجماع الأمة، ولا إمكان لأحدٍ أن ينتهكها.

لنضع ميثاقاً حارساً لحريات الليبييين وحقوقهم وكرامتهم، ومثالاً للغير يحتذي به.

ومع كل ما يمكن أن يكون لمثل هذا الميثاق من وزن تشريعي وتاريخي ومعنوي، ستبقى الضمانة الكبرى بيد الليبيين أنفسهم. بيدهم أن يحافظوا على إنجازهم التاريخي الكبير، وبيدهم أن يفرطوا فيه. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *