انتخابات مِفصلية

نحن الآن أمام مفصل هام وخطير من تاريخ ليبيا الحديث. يوم الغد، 7 يوليه 2012، هو يوم انتخاب المؤتمر الوطني العام؛ أوّلِ استحقاقات تأسيس الدولة الليبية الجديدة. هو مفصلٌ تاريخيٌّ محفوفٌ بمخاطر حقيقية يمكن أن تؤدي إلى تقويض كل جهود بناء الدولة، والتحولِ بالبلاد إلى دولة فاشلة بإحدى طبعاتها الصومالية أو العراقية أو الكونجولية، أو إلى ظهور ديكتاتورية جديدة.

فشلٌ أم تقصيرٌ أم شيءٌ آخر؟

لقد فشل المجلس الانتقالي وحكومته – حتى لا نقول قصّرا –  في معالجة الملفات الوطنية الكبرى المستحَقّةِ بعد سقوط النظام السابق، والمتمثلةً فيما يلي:

–        تحقيق وتثبيت أمن المواطن على يد مؤسساتٍ وقواتِ أمنٍ تابعةٍ للدولة، وليس باستعمال مجموعات مسلحة تتبع الدولة إسمياً لا أكثر.

–        بناء جيشٍ يحمي أمن الوطن.

–        وضع الأطر القانونية للعدالة الانتقالية، وتفعيل القضاء، بما يمكّن من استعادة الحقوق وتهدئة النفوس.

–        تحقيق المصالحة الوطنية على أسس من العدل والمساءلة أمام القانون، وتسليم الجميع بشرعية العهد الجديد وانضوائهم تحت رايته، والقبول بالآخر في عيشٍ مشترك.

–        إعادة الحياة لعجلة الاقتصاد الوطني، بفتح فرص الاستثمار وتوفير القروض والدعم الضروري لها، وبتفعيل المشروعات المتوقفة، مما يخلق فرص العمل الشريف التي كان غيابها واحداً من أسباب اندلاع الثورة.

لو نجحت السلطة القائمة، مجلساً وحكومة، في التعامل مع هذه الملفات، لكُنّا في مكان غير الذي نجد فيه أنفسنا اليوم. ولكن أيّاً من هذه المسائل الكبرى لم يجد طريقه إلى النور، واكتُفي بمسكّناتٍ وإجراءات مرتجلة في معظمها، عِوضاً عن إيجاد الحلول الحقيقية لها. وكان من نتائج ذلك النمط من التعامل:

–        استمرار بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، والاستعانة بالمجموعات ا لمسلحة عِوضاً عن بناء قوة أمن    وطني.

–        استعمال ثروة البلاد في إرضاء كل صاحب مطلبٍ معقول أو غير معقول، وبطرقٍ بعيدة عن التخطيط   الرشيد.

–        اتخذت الدولة من توزيع ’الهبات‘ بديلاً عن إعادة الحياة لعجلة الاقتصاد، ما يرسّخ مفهوما ثقافيا مفاده أنه من الطبيعي والمقبول أن يتم تحقيق الدخل من غير عملٍ يقابله. ليس هذا المفهوم جديداً فهو موروث من          عهد الطاغية في حقيقته، ولكن ممارسات المجلس والحكومة أمعنت في ترسيخه.

–        غياب مشروع العدالة الانتقالية – أولاً – والمصالحة الوطنية التي تتبعها، وبقاء القضاء معطّلاً.

الظلم وشكل الدولة… وطريقٌ إلى التفتيت

ويظهر على السطح بقوة الآن، وبشكلٍ يهدّد أمنَ البلاد ووحدتَها، موضوع اللامركزية الإدارية والفدرالية، وهو موضوعٌ مرتبطٌ بشكاوى ومظالم لم يتم تناولها بشكلٍ جادٍّ أو موضوعي.

لقد جعل المنادون بالفدرالية والمعارضون لها من شكل الدولة مشكلاً وطنياً أدى إلى تبادل التهم من هذا الجانب وذاك. كان الأحرى، ولا يزال، أن نتناول المشكل بأسبابه المتمثلة في وجود شعورٍ بالظلم وبالتهميش مقابل المركز، ومن ثَم النظر في طرق ردّ المظالم وإحقاق الحقوق والعدل بين الليبيين في كل أنحاء البلاد. وقد ننتهي إلى أن الفدرالية – وهي ليست عيباً في ذاتها – هي الشكل المناسب للدولة، وقد ننتهي إلى أن غيره من أشكال الدول أنسب وأصلح…. كل ذلك عن طريق الحوار العقلاني والمسؤول ضمن أطر الدولة وليس خارجها، مع احترام الجميع للجميع في أشخاصهم وتوجهاتهم وآرائهم. والمؤتمر الوطني العام أو الهيئة التأسيسية الآن –  بعد التعديلات المتتالية على المادة 30 من الإعلان الدستوري – هي المحلّ الطبيعي لهذا النقاش الوطني.

لقد وصلت مسألة الفدرالية إلى مفترقٍ يهدّد وحدة البلاد والسلم الأهلي تهديداً حقيقيا، وذلك بعد أن بدأ بعض المنادين بها – وغيرُهم؟ – في استخدام العنف لفرض رأيهم على الأمة، وامتدّ ذلك السلوك إلى عرقلة التجارة الداخلية على الطريق الساحلي، والاعتداء على مراكز تابعة لمفوضية الانتخابات، وإغلاق المرافئ النفطية.

وليست تصرفات البعض في أنحاء أخرى من البلاد، من قبيل إغلاق المطارات والمعابر البرية واستعمال القوة بين فئات متنازعة من القبائل أو المدن، مبرراً للّجوء إلى التصرفات نفسِها من أيٍّ كان. فهذه أعمالٌ مدانةٌ ويجب وضع نهاية لها، لا أن تُوسّع دائرة ممارستها بحجة تورط الغير فيها. الفدراليون، مثلهم مثل دعاة المركزية والملكيين وغيرهم من الدعاة إلى أشكال الحكم كلّها مدعوون إلى الاحتكام إلى الحوار والتوافق، وليس إلى منطق العنف المؤدّي حتماً إلى الإضرار بالبلاد ومستقبل أجيالها القادمة.

والمعارضون للفدرالية يجب أن يسلّموا بأن النظام السابق قد ارتكب مظالم وتهميشاً ضدّ مناطقَ وفئاتٍ من المجتمع بعينها، إضافةً إلى الظلم الذي طال الجميع، فمجرد الإنكار من دون تحرٍّ واستماعٍ لا يرد ظلماً ولا يصحح خطئاً. الشرق الليبي، برقة، كان مستهدفاً من النظام السابق في إطار عقابٍ جماعي لم يكن خافياً على أحد. ومدن جبل نفوسة جميعها، مثلاً، تفتقد حتى إلى شبكات المياه،  الصالحة للشرب أو غير الصالحة للشرب. والجنوب في حالة من السوء لا يقبلها ليبي أينما كان موطنه. وهناك تركّز السلطات المتعلقة بالخدمات في مدينة طرابلس مما يضع عبئا كبيرا من مشقة السفر وتكلفته على المواطنين من خارجها.

المستقبل يمرّ عبر التوافق لا العنف

هناك مشكلٌ حقيقي لا نستطيع تجاهله، ولا ينبغي لأحدٍ أن يقفز فوقه محاولاً فرض رؤيته هو لحلّه. الحلّ المنطقي سيأتي فقط بتوافق الليبيين من خلال مجلسهم الوطني وهيئته التأسيسية. وما يجري من أعمال عنف لفرض وجهة نظر بعينها أمرٌ مرفوض ويجب مواجهته بحزم وحكمة. أما عرقلة العملية الانتخابية بالرغم من إقرار تساوي تمثيل المناطق في هيئة تأسيسية سيُناط بها وضع مشروع الدستور، فهو أمرٌ يثير شكوكاً لا علاقة لها بالفيدرالية.

ومن ناحية أخرى، فإن موضوعيْ لا مركزية السلطات وتوازن التنمية المكانية والبشرية في كافة أنحاء ليبيا يجب أن يكونا محل حوار جاد وتشريعات وضمانات كفيلة بمعالجتهما، فمجرد الإنكار والرمي بمختلف النعوت غير مقبولٍ ولا يقدم حلاً.

ولنتوجّه نحن الليبيين جميعاً إلى صناديق الاقتراع  في خطواتٍ أولى نحو بناء دولة ليبيا الجديدة، التي ما كنا نحلم ببنائها لولا التضحيات الكبرى بأرواح الشهداء وإصابات الجرحى وآلام الثكالى والأرامل واليتامى.

ورحم الله شهداءنا.

 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *