درنة وتمبكتو… ومحاربة الموتى

نقلاً عن إيثار درنة 17 فبراير

درنة مدينة العلم والثقافة والجمال. هكذا كانت تُعرف. ومنذ جيلٍ مضى بدأ مِعول الهدم جهداً حثيثاً لتدمير خصوصيتها الحضارية حتى نجح في تحويل بيئتها المشيّدة خراباً خرسانياً لا يسرّ الناظر، بعد أن كانت تلك البيئة بجنائنها وورودها وياسمينها وسواقيها جمالاً ورقةً تبهر من يزورها. وخبت شعلةُ درنة إلا من مقاومةٍ عنيدة، ظاهرةٍ حيناً ومستترةٍ صامتةٍ أحياناً… مقاومةٍ للظلم الذي هبط عليها من قاحل الصحراء.

درنة التي تفخر باحتضان رفات سبعين من صحابة ورسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم، على رأسهم زهير بن قيس البلوي… مجتمعٌ مسلمٌ عقيدةً وخلقاً وسلوكاً، هبط عليه بعد انقشاع الظلم فكرّ جديدٌ قديم، ليست له فيها جذور، ولكنه فكرٌ تشبع به بعضُ شبابها من خلال الالتحاق بصفوف الطالبان والقاعدة أو التّتلمذ على أيدي شيوخٍ من غيرِ النهج السمح الذي دان به وطننا على مرّ العصور.

في هذا الزمان خرجت علينا ظواهر ومدارس اختارت أن تتحول السماحة غِلظةً، والترغيبُ في الدين تنفيراً منه، واختطفت مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتصبح ممارسته حكراً لها، وأن تطبقة بالموعظة الحسنة أو بالعنف والتكفير على النحو الذي تجده مباحاً لها دون غيرها.

شهدنا القاعدة والطالبان في أفغانستان وبوكو حرام في نيجيريا وأخيراً من يسمون أنفسهم أنصار الدين في تمبكتو. من بين المشتَرَكِ لدى هذه الفئات دافعٌ لا يهدأ نحو محاربة الموتى وهدم الأضرحة ونسف القبور، ومن المفارقات أنهم يتفقون في هذا المنحى مع الطاغية، فنحن لا ننسى أنه كان من نسف ضريح السيد محمد بن علي السنوسي ومسجده ومكتبته الكبرى في الجغبوب.

المؤسف والمحزن أن نرى في درنة عملاً عبثياً مماثلاً. فالذي تم التفجير فيه منذ يومين مقبرة تحوي رفات صحابة رسول الله وتابعيهم.. سبعين من المسلمين الذين استُشهدوا دفاعاً عن ديار الإسلام منذ أربعة عشر قرناً. هم شهداء تعتز درنة وتفخر بأن ترابها ضمّ رفاتهم على مدى كلِّ هذه القرون. هذه المقبرة جزء من تاريخ مدينة.. جزء من هويتها الإسلامية. لم يجرؤ أحدٌ منذ عصر الرومان ومروراً بكل العصور والاحتلالات حتى يومنا هذا على المساس بها، وجاء اليوم، بعد اكتمال التحرير، من يعبث بها وبجزء من تاريخنا وهويتنا.

السؤال يلحّ يطلب جواباً: أين هم علماء الدين من هذا العبث بالقبور، وهوعبث مستنكّر من كل ذي فطرةٍ سوية ولو كانت قبوراً لغير المسلمين؟ أم إن في صمتهم رضا… وتفريطاً في مصداقية؟ 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

تعليق واحد على: درنة وتمبكتو… ومحاربة الموتى

  1. تنبيه: في أيّ اتجاهٍ تأخّرُنا؟ | كلمات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *