الديموقراطية والقبول بالهزيمة

مرّت التجربة الانتخابية الليبية الأولى بنجاحٍ فاق كلّ التوقعات تنظيماً وأمناً وإقبالاً.

وشهد بنزاهتها المراقبون الليبيون والأجانب على حدٍّ سواء.

وكانت النتيجة بذلك – وبمعزلٍ عمّن فاز أو أخفق – انتصاراً لليبيين في أول امتحانٍ على طريق مشاركة كلّ الناس في إدارة البلاد، في تحولٍ جذري عن استبداد الفرد.

والكلمة هنا كانت للشعب والفوز للوطن ولكل من قدم نفسه أو حزبه مرشحاً للعمل الوطني من خلال السلطة التي جرى انتخابها. ونجح من نجح، وخسر من خسر…

في التجارب الديموقراطية الناضجة، يقرّ الحزب أو الشخص الذي يخسر الانتخابات بهزيمته، ومن ثَمّ يقوم بمراجعةٍ ونقدٍ ذاتيّين، يستوضح من خلالهما أسباب الخسارة علّه يحوّلها إلى فوزٍ في المنافسة اللاحقة. والأسباب قد تكون في السياسات والتوجّهات، أو في طريقة عرضها وشرحها، أو في قيادةٍ لا تحظى بقبولٍ لدى المواطنين، أو ضعفٍ في الحملة الانتخابية، أو غير ذلك من الأسباب الذاتية الداخلية. وتفتح هذه المراجعة وهذا النقد الذاتي الباب أمام التصحيح والتحسين، فتتغيّر سياسات ومناهج عمل ويُستبدل قادة. مثل هذه العملية تسمو بأصحابها فوق الهزيمة.

وقد يدفع الشعور بالمرارة ورفض قبول الخسارة بصاحبه إلى منحىً آخر، فنراه يتجه إلى مهاجمة الفائز، منتقداً حملته الانتخابية وتاريخه، ومحذراً من أن المستقبل إن تُرك للفائز سيؤدي إلى الندم. بل قد يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأسوأ، فيدفع بأن الناخبين – مجوع الناس – قد خُدعوا! ولا تتغيّر سياسات ولا مناهج عمل… ولا يتغيّر قادة. 

عدم القبول بالخيار الذي تعكسه نتائج الانتخابات يعني في حقيقته رفضاً للعملية الديموقراطية … يعني رفضاً لتداول الأيام بين الناس على النحو الذي يتوافق عليه مجموع الناس. والبديل عن التداول السلمي التوافقي للسلطة حينئذ سيكون بأحد طريقين: بالعنف… أو الموت. تماماً كما حدث عند ’نقل السلطة‘ من القذافي.. تمّ ذلك بفعل عنف الثورة وموت القذافي..  معاً. لم يترك الرجل للناس بديلاً، وكان لا بدّ من تداول الأيام بين الناس.

لقد تمّ اقتلاع السلطة من الطاغية إلى عموم الناس بالعنف والاقتتال. وسيسلّم المجلس الانتقالي سلطاته في الأيام القادمة إلى المجلس المنتخب سلماً وطواعية. فلنصبر على الدرب، إنضاجاً لتجربة ديموقراطية فيها وحدَها خيرُ البلاد. ولا بدّ من أجل ذلك أن يقبل المهزوم بهزيمته، ويراجع نفسه عِوضاً عن انتقاده غيره…  ويعدّ نفسه لجولةٍ قادمة. 

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *