الانتخابات .. ماذا بعد النتائج ؟

بقلم:  د. محمد محمد المفـتي

 لعل أروع ما وسم الانتخابات كان حالة الانفعال والابتهاج ، التي عرفناها في أيام الثورة الأولى .. عادت  هذه المرة دفاعا عن مبدأ الانتخابات .. وليس فقط من أجل من ينجح . فـشباب أحياء مدينة بنغازي هم من دافـعـوا عن مراكز الاقتــراع. وعلينا ألا ننسى أن الذي أنقذ الانتخابات على الأقل في بنـغـازي والشرق، هم ثوار فبراير .. هم الذين أنقذوا وحفظوا أوراق وصناديق الاقتراع. ولهذا تعالت في بنغازي في ذلك اليوم المقلق .. في ميدان ميدان النهر الصناعي .. هتافات ” يا راف الله يا شــهيد .. خليتــــلنا الليلة عيد”. إشـارة إلى كتيبة الشهيد راف الله السحاتي التي حققت تلك المهمة.. وإلى الرجل الذي كان أحد الأبطال الذين أوقفوا تقدم رتل الموت واسـتـشهدوا في معركة بنغازيٍ يوم 19/3/2012.

المنـــاخ النفـسي

ثم إن الانتخابات جرت على موجة عارمة من العواطف .. وعلى صدى ثورة منتصرة ورائعة .. وعلى تفاؤل وأمل  نتيجة التخلص من قيود القذافي .. فالليبيون لم يســتـعـيدوا  حريتهم فقط، بل تحرروا أيضا من لغـة القذافي الخرقــاء ومن مؤتمراته المزورة، ومن شتى القيود على النشاط التجاري، واســتعادوا عقاراتهم ..إلخ. متطلعين  متلهفـين للاسـتقرار وإعادة الإعمار.  ثمة عواطف متأجـجــة في صـدور الناس … وهذا ما أسبغ على الانتخابات طابـعـا مهرجانيا.

المهم أن الانتخابات تمت دون فوضى، وبنزاهــة .. وفي النهاية عامة الناس هي التي تنتخب ومن حقهم أن يختاروا من يعرفـونه ويثقون فيه .. النخبة ليست هي اللي تنتخب .. بل عامة الناس .. وليس بالضرورة أن يكون الفائز مثقفا أو مفكرا .. هكذا في كل العالم.

نتائج الانتخابات

لا شـك أن أهم مفاجأة هي تقدم التحالف في عدد الأصوات ومن ثم لمقاعد المؤتمر الوطني .. على حساب ليس فقط الإخوان وجبهة الإنقاذ، وإنما الأحزاب الكثيرة الأخرى التي تبخرت مرة واحدة.

الانتخابات تخضع أيضا  لنظرية اللعبة ، وهي نظرية استراتيجية  .. تطبق بشكل واضح على المعارك الحربية، بعد أن ننزع عنها الأبعاد الأيدولوجية والأسباب التاريخية .. فالمواجهة العسكرية .. شئ شبيه بمباراة كرة قدم .. كيف تصل بالكرة إلى المرمى .. في الحروب النصر يعتمد على حجم الجيش وتسليحه، على إمداداته، على اسـتـغلال تضاريس أرض المعركة والمبادرات والتوقيت .. وغيرها. الانتخابات أيضا  لعبة اســتراتيجية .. أن تخاطب من؟  وبأي لغة؟  مدى استثمارك للإعلام، الوجوه التي تقدمها، المال ..الخ.

أما لماذا ظهرت النتائج هكذا فـثـمة عوامل كثيرة مسئولة:

–          الإعلام عنصر أساسي وقد أجاد جبريل استعماله. ولابد أن نعطيـه حقه، فـهـو معروف إعلاميا، وقام بحملة متقنة وزار شتى المدن لكي يتعرف عليه الناس عن قرب.

–          ضيق الوقت ومحدودية التجربة الانتخابية، أربكت الناس. التصويت كان أشبه بلعبة التعرف على الأسماء والصور دون إلمام بالبرامج الانتخابية.

–          ربما ساعدت عوامل أخرى ألقت بظلال من القلق: الفيدرالية، وهدم الأضرحة …

لكن العنصر الأساسي والمحـدد عنـدنا كان ولاشك طبيعـة الشريحة الناخبة معظمها شباب : متعلمون، غير قبليين، يتطلعون إلى حلول عملية لأزمات يعيشونها .. البطالة، السكن، الزواج والإستقرار  … في قمينس مثلا فاز شاب: عبد الله عمران القماطي .. أبناء الأسر المعروفة .. أبناء الأعيان .. لم ينجحوا .. أسماء جديدة ظهرت .. وهذا يعكس ما طرأ على مجتمعنا من تغيرات .. التكاثر السكاني، النزوح إلى المدن، نسبة الشباب 65% .. مشاركة المرأة .. هـذا هـو الواقـع .. مجتمع في حالة تطور.

مشاكل في نظــام الانتخــابات ؟

أعتقد أن هناك مشكلتين في نظام الانتخابات :

–          نظام القوائم الحزبية ، غير كفء .. في اعتقادي. فالأحزاب حديثة، ومتشابهة الأسماء والأهداف. إذن الاختيار تم على أساس الأشخاص البارزين .. الذين جروا وراءهم أسماء غير معروفة، وحديثة العهد بالسياسة والعمل العام. ربما نجحوا لأنهم طالعين في الصورة مع زعيم الحزب.

–          كثرة المرشحين وزعت الأصوات بينهم، وبالتالي حرمنا ( في بنغازي) من وجـوه كثيرة ذات خبرة : مثلا د. محمد العوشار، د. صالح السنوسي، مهندس محمود الكيخيا، إدريس لاغا،  د. عبير امنينه، الأستاذة المحامية آمال بوقعيقيص … والأســتاذة المناضلة فتحية فلاق.

الـدين والدولــة

لعل الجدل الذي اكتنف الانتخابات كان قصة العلمانية والدين. أولا العلمانية وهي طرح مفتعل في ظني. نعم قال الفلاسفة .. فلاسفة عصر التنوير في فرنسا في القرن 18 ، فولتير، مونتسكيو، روسو ..  بفصل الدين عن الدولة. نعم منحت الحريات في دول أوروبا، الدولة لا تتحيز. لكن أين تتوج ملكة بريطانيا؟ وفي أمريكا معروف أن رئيس الدولة يكون بروتستانتي .. الوحيد الكاثوليكي كان جون كينيدي .. الدين والدولة متداخــلان .. ولا أحد يستطيع أن يلغي العمق الإسلامي لثقافتنا.

وثانيا موضوع الشريعة .. كمصدر رئيسي أو  وحيد؟  يبدو لي أنه كمطلب سياسي مبالغ فيه. نحن الليبيون كلنا مسلمون وعلى مذهب واحد، وليس لدينا طوائف .. شنو المشكلة إذن .. ربما رفع  كــشـعار لا أكثر .. لغياب أي برامج حقيقية. في ليبيا لا أحد يمكن أن يخرج على شرع الله. هل يعقل أن أحد سيصْدر أو حتى يفكر في إصدار قانون مخالف للشريعة؟ في عهد المملكة كان النص في الدستور “دين الدولة الإسلام” .. هل اختفى الإسلام من ليبيا؟  قبل ذلك جاء الطليان، هل فقد الليبيون إيمانهم ؟

وقد أعجبني تعليق أحد الشيوخ حين قال: ‘‘ صلوا على النبي يا جماعة، وخلونا نتعامل بمرونــة مع عالم فيه ما يكفي من التعقيد ..!!’’.

أصدقاؤنا الغربيون

لديهم مصالح، نعم .. وهم فرحون حقا .. بنجاح آملهم في تحقيق ديموقراطية، بعد اسقاط نظام مستبد. وقد ســاعدونا بحماس لإنجاح الانتخابات.  لكن لا يجب أن تشطح بنا الهواجس.. وبلاش هذه الشكوك والمؤامرة .. الخ. حتى العدو الأجنبي لا يخلق الأزمات، إنما يستثمر نقاط ضعفنا نحن .. وعداواتنا. فلنركز على المصالح، دعونا نسـتـفيد من أجل ليبيا.

مخــاطـر قادمة ؟

الانتخابات سـتنقلنا من مرحلة انتقالية لم تكتمل، إلى أخرى لن تخلو من تعقيدات:

–          المركزية .. وعلينا أن ننصف الفيدراليين رغم ما رافق نداءاتهم من جنوح للعنف الأهــوج .. المركزية مدمرة .. أكبر خطر يتهدد مستقبل ليبيا لأنها تهدد وحدة الوطن، وتعيق التنمية. بعد ثورة فبراير هناك حقائق جديدة .. وعلينا أن نعترف بها .. مصراته والزنتان دويلات داخل دول .. ومن حقهم .. كل مناطق ليبيا في حالة تشظي .. فزان، بن وليد، جبل نفوسة، درنة، وحتى بنغازي، الطوارق والتبو. هذه أشبه بالأبناء في العائلة، حين يكبرون يريدوا قدرا من الاستقلال. تحولات طبيعية لا مناص عنها .. شئنا أم أبينا. وعلينا أن نتفهم مطالبهم، وإحساسهم بالغبن الذي نالهم في عهد الطاغية. طبعا مصراته وبنغازي ودرنة وزواره والزاوية والزنتان وجبل نفوسـة .. كل هؤلاء لهم حقوق علينا كلنا، بفضل جـهـودهم البطولية أيام الثورة. هذه حقيقة ولا يجب أن يزعل منها أحد.

–          انتشار السلاح : لننظر للجانب المطمئن .. شكرا لطيبة الشعب الليبي أولا، البلاد آمنة رغم كل ما يحدث .. ليس هناك سطو على البنوك أو الأشخاص أو المحلات. لكن السلاح سلاح، ويغري من يمتلكه. وعلينا أن نعمل من الآن ألا نخلق ظروف تحدي أو غضب. ولن تحل المشكلة بالمال والعطايا. لابد من إشراك الثوار في السلطة .. وسبق أن ناديت مرار بتمثيل الثوار .. بإعطائهم حقائب وزارية .. بل بمقاعد في هيئة برلمانية. مثلامجلس شيوخ أو حكماء بالتعيين.

للأسف، المجلس الوطني الراحل والحكومة الانتقالية فشـلا في طمأنة الناس .. فالمركزية ما تزال راسخة، والثوار مبعدين. وهذه سـتظل قنابل موقوتة.

ماذا عن المستقبل .. ؟

لم ألتحق بأي حـزب لأنني أريد حزبا ليبيـا .. يعبر عن معتقدات وآراء وتطلعات الليبيين. دون صراعات وهمية ولغو لفظي. الليبيون مسلمون .. هكذا كانوا حتى في أشد الحقب عزلة وجاهلية .. حتى حين لم يجدوا من يعلمهم حتى سورة الفاتحة. وهكذا سيحافظون على دينهم وتراثهم.

ثم إن تطلعات الليبيين واضحة ومحددة في كل مدينة وقرية وواحـة:

–          عـمل

–          ســكن

–          بنية تحتية

–          مستشفى حديث موثوق فيه

–          مدرسة محترمة وجامعة بالمعايير الدولية

آخر كـلمـة

الرسالة التي بعثها الليبيون إلى العالم بأن ليبيا تقبل ومصرة على مبدأ الانتخابات كطريق لتداول السلطة سلميا. ولهـذا أقـول ليبيا بخير .. لا خوف على الشعب الليبي بعد الآن.

18 / 7 / 2012

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *