تشويه إرادة الناخبين

انتهت العملية الانتخابية الأولى في ليبيا، بعد ما يقرب من ستين عاماً، بنجاحٍ وسلام، رغم التخوفات مما قد يشوبها من إخلالٍ بالأمن أو بنزاهة الأداء. لذلك أجمع الليبيون والمتابعون للشأن الليبي على حدٍّ سواء بأن الفائز الأكبر في هذه الانتخابات كان الشعبَ الليبيَّ بغضِّ النظر عمّن فاز أو أخفق من أفرادٍ أو كيانات. ولكن ذلك لا يمنع من إلقاء نظرة فاحصة على النتائج نفسها وما قد يتلوها من تطورات.

للانتخابات الليبية سابقتان كانتا محلاً للمقارنة ومقياساً للتوقعات، هما انتخابات تونس ومصر؛ بلديْ ربيع الثورات العربية الذيْن سبقا ليبيا في الترتيب الزمني. في كلا البلدين كان الفوز للأحزاب الإسلامية (ذات المرجعية الإسلامية). وقياساً على تلك النتائج وعلى ما هو معروف من التزامٍ دينيٍّ كبيرٍ لدى الليبيين الذين يوصفون بأنهم يكوّنون مجتمعاً قبلياً محافظاً، كان متوقعاً أن يكون الفوز ساحقاً للأحزاب الإسلامية في ليبيا. وكانت المفاجأة بأن أكبر الأحزاب الإسلامية حضوراً  في الساحة السياسية جاء في الترتيب الثاني بعد تحالفٍ للكيانات الليبرالية، وبمسافة طويلة جداً. لذلك كانت الهزيمةُ مدويةً.

ولكن الأوراق قد تُخلط، ويُعاد ترتيب الحضور النسبيّ للتكتلات الحزبية في المؤتمر الوطني العام، وذلك نتيجةً لأن المقاعد المخصصة للكيانات يبلغ عددها ثمانين مقعداً فقط من مجموع مائتي مقعد، مع تخصيص مائة وعشرين مقعداً للمرشحين الأفراد. وليس هناك ما يمنع – فيما يبدو – من أن ينخرط عضوٌ تمّ انتخابه كفردٍ غيرِ منتمٍ لكيانٍ ما إلى حزبٍ يختاره بعد فوزه، أو أن يفصح آخر عن انتماءٍ حزبيٍّ لم يكن قد أعلن عنه قبل توجّه الناخبين إلى صناديق الاقتراع. وفي الحالتين خرقٌ لفهمٍ ضمنيٍّ أسّس– مع غيره الاعتبارات – لحكم الناخب على صفات المرشح فأعطاه صوته أو تولّى عنه إلى غيره من المرشحين. ومردُّ هذا الإخلال المحتمل في الثقة بين المواطن وممثله الفردي في المؤتمر الوطني العام يكمن في قانون الانتخابات نفسه فيما أرى.

الأفراد تمّ انتخابهم لمكانتهم في المجتمع أو لدورهم وحضورهم الإعلامي خلال الثورة، ولم تكن ألوانهم السياسية الفيصلَ في إقبال الناس على التصويت لصالحهم، فقد ارتكزت ’برامجهم‘ الانتخابية إلى أهدافٍ وطنية عامة لا يختلف عليها الليبيون. ولكن انخراطهم في عضويةِ أحزابٍ أو تكتلاتٍ سياسيةٍ بعينها، بعد انتخابهم على أساسٍ غير حزبي – وإن كان ذلك قانونياً – مرشحٌ لأن يغيّر في التركيبة السياسية للمؤتمر الوطني العام على نحوٍ قد يعزّز الوزن النسبي للتيار الفائز بأعلى الأصوات والمقاعد، وقد يمنح التقدم في عدد المقاعد لتيارٍ ظهر بوضوحٍ عدم قبول الناخبين له قائداً للعملية السياسية وبناء الدولة في المرحلة المقبلة، فالخلط سيكون في أحد اتجاهين:

–          تعزيز حضور الجانب الفائز بما يتجاوز وزنه النسبي الحقيقيَّ لدى الناخبين، أو إضعافه، أو:  

–         تعزيز حضور الطرف الخاسر، أوحتى قلب النتيجة لمصلحته، رغم خسارته حين دخل الانتخابات معلناً عن برنامجٍ وتوجهٍ سياسي بعينه، أو خفض ذلك الحضور إلى ما يقلّ عن الفارق الحقيقي الذي أنتجته الانتخابات.

أياً كان اتجاه الخلط الناتج عن الانتماءات الجديدة – أوالجديدة القديمة – للأعضاء الأفراد في المؤتمر الوطني العام، فإنه سيمثّل تشويهاً لإرادة الناخبين الحرّة كما أظهرتها نتائج انتخاباتٍ لم يشكّك أحدٌ في نزاهتهتا.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف الرئيسية. الوسوم: , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

3 تعليقات على: تشويه إرادة الناخبين

  1. هدى الثلثي كتب:

    زاوية مختلفة للانتخابات في ليبيا لم تخطر لي على بال، والسؤال اين مجموع القانونيين؟
    ، كان يفترض بهم توضيح هكذا أمور للناخبين حتى يتأكدوا من توجهات الأفراد اللذين سيصوتون لهم.

  2. هذا أكثر من تشويه… هذا تزوير وفساد… عقد صفقات بين أحزاب بدأ ينخرها الفساد وأفراد يتاجرون بثقة مواطنين وقفوا في طوابير طويلة تحت شمس يولية ليختاروهم ممثلين لهم في مجلس مهمته وضع الخطوات الأولى على طريق بناء الدولة. عيب عليكم يا أحزاب، وعيب عليكم يا أفراد. تيقظوا فالشعب لم يعد شعب معمر بو منيار.

  3. تنبيه: نظرة على نتائج الانتخابات | كلماتٌ … بعد فبراير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *