يوميات هرمنا

يوميات ثورة 17 فبراير

لصاحبها 

 نور الدين السيد الثلثي 

مقدمة

كانت الشرارة، على غير ما يمكن أن يتصوّره أحد، من سيدي بوزيد في الجمهورية التونسية التي تعرض فيها المواطن محمد البوعزيزي لمعاملة متعسفة على يد الشرطة وسلطات المدينة، خرج الأهالي على إثرها، يوم 18 ديسمبر 2010، محتجين على أوضاع اجتماعية سيئة من فقر وبطالة وتهميش لفئات واسعة من التونسيين، وما صاحبها من استغلال وفساد وقبضة أمنية حديدية قيدت كل تحرك سياسي أو مبادرات فردية أو جمعية خارج الدائرة الحاكمة. وبلغ الاستبداد والاستخفاف أن كان هناك ترويجٌ لتمديد جديد للرئيس أو توريث تسعى إليه زوجته. تصاعدت نبرة أحداث سيدي بوزيد وتوسعت دائرتها الجغرافية، وظل النظر إليها محكوما بكونها احتجاجات محلية على ظروف معيشية قاسية إلى أن انتقلت إلى العاصمة وانضم إليها مثقفون ومحامون وتنظيمات وارتفع سقف مطالبها إلى أن جهرت الحشود بأن “الشعب يريد إسقاط النظام”. عندها انتبه الجميع بأن ما يجري في تونس أكبر من مجرد احتجاج، وبدأت المتابعة اللصيقة من الملايين باتساع الوطن العربي لما سيُعرف بالربيع العربي.

ونجحت الثورة في تونس بمغادرة زين العابدين بن علي البلاد في 14 يناير 2011؛ “بِنْ عْلي هْربْ” بعد استبدادٍ في حكم تونس استمر ثلاثةً وعشرين عاماً.. في هذه الأثناء كان هناك حراك شبابي جارٍ في مصر، دوافعه هي الدوافع ذاتها من فقر وبطالة وتهميش لفئات واسعة من المصريين مع ما صاحبها من استغلال وفساد وقبضة أمنية حديدية. وكانت الترتيبات جاريةً على قدم وساق لتوريث رئاسة البلاد لابن الرئيس. وانفجر ذلك الحراك ثورةً شبابية شعبية بدأت في 25 يناير وكان بؤرتها ميدان التحرير بالقاهرة الذي انتقلت إليه أنظار العالم كله. وتابعنا ثورة مصر لساعات طويلة كل يوم إلى أن تم الإعلان عن استقالة حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية في 11 فبراير 2011.

دوافع الثورة في تونس ومصر تمثّل واقعاً معاشاً في معظم أقطار الوطن العربي وإن بدرجات متفاوتة. لذلك كان طبيعياً أن يبدأ التساؤل عن الثورة العربية التالية. وكان أن انطلقت ثورة اليمن في 3 فبراير. وانطلقت ثورة البحرين في 14 فبراير، ليتمّ إخمادها بدخول قوات من السعودية وشريكاتها في مجلس التعاون الخليجي للبلاد يوم 14 مارس. وفي 26 يناير ظهرت احتجاجات متفرقة في سوريا تطورت إلى ثورة شعبية في 15 مارس.

في أجواء ثورات الربيع العربي هذه ظهرت على صفحات الإنترنت الدعوة إلى الثورة في ليبيا يوم 17 فبراير ذكرى المظاهرة أمام القنصلية الإيطالية في بنغازي سنة 2006، والتي سقط فيها عدد من الشهداء على يد عملاء الأمن وقتها. كانت الأسباب الموضوعية للثورة في ليبيا أشد إلحاحاً منها في أيٍّ من الدول العربية التي سبقتها، فقد كانت ليبيا مسرحا لعبثٍ وإجرام  يندر لهما مثيل من قبل رجل مريض استبدّ وانفرد بحكم االبلاد من دون رادعٍ من دين أو قانون أو خلق، وعلى مدى اثنين وأربعين عاما. وبالرغم من ذلك لم يتوقع الكثيرون ــ وكنت من بينهم ــ أن تجد الدعوة لها صدى واسعاً.

انطلقت انتفاضة بنغازي في 15 يناير 2011 قبل الموعد المحدد لها بيومين، وانتفاضة البيضاء قبل ذلك بيوم. وتسارعت أحداث الشرق الليبي وتعاظم زخمها على نحوٍ آذن بأحداثٍ لم يكن باستطاعة أحد أن يتبيّن نهايتها. ولكن التمنيات كانت غالبة، والمثالان شرقنا وغربنا غذّتا الطموحات، والإعلامُ الفضائي أجّج المشاعر وعبّأ العالم من حولنا.

وكنت من بين أولئك المتمنّين، بل حسبتُ الانتصار، بعد سقوط كتيبة الفضيل تحديداً، أمراً قريباً جداً. وجرت الأمور على غير ما توقع أكثرنا، فقد فقدت الثورة جانباً كبيراً من زخمها بقمع النظام لانتفاضة طرابلس بوحشية في مهدها، مما أطال عمرَ النظام وضاعف عدد الشهداء إلى عشرات الآلاف، ونشَر الدمار.

ومع بداية الانتفاضة بدأتُ في كتابة يومياتٍ أسجّل فيها مختصراً للأحداث يوماً بيوم، علها تسعف الذاكرة في يوم ما. ومن بعدُ رأيت أن أبعث بها إلى أقارب لي في الخارج بديلاً عن الرسائل وعن المكالمات الهاتفية التي لم نكن نستطيع أن نعبر فيها عما يدور حقيقةً بأي شكل خارج إطار تكرارٍ لا معنى له لكلماتٍ معدودة: “الحمدلله.. طيبين.. كويسين.. الجو ممتاز.. كيف حالكم انتو؟..”

باشرت في إرسال رسائلي اليومية هذه عن طريق دائرة الإنترنت الفضائية الخاصة بالشركة الأجنبية التي أعمل فيها، وغيرها فيما بعد. وتغيرت طبيعة هذه اليوميات بعض الشيء فتضمنت خواطرَ شكّلها الظرف الخارق لكل معتاد من جهةٍ، والمكانُ من جهةٍ أخرى؛ فقد اختلطت مشاعر الخوف والأمل بمشاهد من الجنون والهمجية والسفه والكذبِ طمعاً والكذبِ خوفاً، وأزيزِ الطائرات وأصواتِ الانفجارات ليلاً، وغيابِ حركة الشارع نهاراً، والصورِ الواعدة بنصرٍ قريب، والأخرى الصادمة؛ من طرابلس الرهينة أولاً ثم من تونس العهد الجديد، وبنغازي الحرة، ومصر المتأرجحة بين الثورة والأمس القريب، وأخيرا من طرابلس الحرة.

اهتمّ البعض بهذه اليوميات، واقترح أحدهم في لندن، وهو ابن أختي، السيد عمر عزيز شنيب، أن يقوم بترجمتها ونشرِها في مدونةٍ باللغة الإنجليزية، ثمّ اقترح السيد عاشور الشامس، المناضل المقيم خارج الوطن ورئيس تحرير موقع أخبار ليبيا، أن يقوم هو بنشرها في مدونةٍ بالعربية. وكان الأستاذ عاشور كريماً في مجهوده بإنشاء مدوّنة “يوميات هرمنا”[1] وفي تقديمه لها، وله منّي خالص التقدير والامتنان. وانتقلت اليوميات اعتبارا من 22 سبتمبر إلى مدونة “يوميات هرمنا 17 فبراير”[2] التي باشرت في نشرها بشكل مباشر.

المدونة في بدايتها  كانت تسجيلية شخصية، ثم اتجهت إلى مخاطبة الليبيين خارج الوطن بالدرجة الأولى، وكانت في توقعاتي ـــ والتي تظهر من اليوميات نفسها ــ أنها ستستمر لأيام أو بضعة أسابيع، حيث تصل إلى خاتمتها يوم تنتصر الثورة. لم نتصوّر وقتها أن النصر سيتأخر حتى شهر أكتوبر، بعد مائتين وخمسة وأربعين يوماً كاملةً من انطلاقتها.

ثورة 17 فبراير كانت ثورة النبلاء من شباب شعبنا الصابر. وكانت حقاً ثورة التكبير، تجلّت آيةً من آيات الله سبحانه، بتدبيرٍ منه تعالى وتهيئةٍ مُحكمةٍ للأسباب ما كان لها أن تجتمع من صنع بشر. وتوالت أحداثها الجسام ومواكب شهدائها حتى اكتمل انتصارها يوم 20 أكتوبر، وبه كانت خاتمة “يوميات هرمنا”. 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *