يوميات أكتوبر 2011

بسم الله الرحمن الرحيم

فكلاَ أخذنا بذنبِه،

 فَمِنْهُمْ مَنْ أرسلنا عليهِ حاصِباً،

 ومنهم مَنْ أخَذَتْه الصّيْحةُ،

 ومِنهم مَنْ خَسَفنا بِهِ الأرضَ،

 ومِنهمْ مَنْ أغرقْنا،

 وما كان اللهُ ليظلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..

صدق الله العظيم، العنكبوت، الآية 40

السبت 1 أكتوبر (227)

قنوات

نجلس لبعض الوقت مساء كل يوم أمام قنوات تلفزيون ليبية لا نعرف هويتها. قناة ليبيا الأحرار ربما تكون الوحيدة التي من المعروف لدى معظم الناس أنها أنشئت بتمويل من دولة قطر. وماذا عن بقية القنوات التي ربما فاق عددها عشر قنوات؟ هل وراءها دول أخرى؟ أم أصحاب رؤوس أموال من الليبيين؟ من هم؟ هل هم يسعون إلى الربح وحسب؟ ما هي مصادر إيرادات هذه القنوات، خاصة أننا لا نرى فيها إعلانات ولا تقوم على اشتراكات؟ هل وراءها تيارات أو أحزاب؟ المطلوب، كحد أدنى من الشفافية والأمانة مع الجمهور، أن تعلن هذه القنوات عن مالكيها ومموّليها ومديريها المسئولين في أقل تقدير. ولن أذهب إلى ما هم أبعد من ذلك.

العملية السياسية المقبلة تحتاج إلى توفر معطيات أساسية عديدة، من بينها إطارٌ وشروطٌ تنظم تناول الإعلام للشأن السياسي.. لن يكون مقبولا أن ينصّب المجلس أو الحكومة من نفسها رقيباً جديدا على ما يُقال ويُنشر، ولكن المصلحة تقتضي كذلك ألا يُترك الحبل على الغارب للدول والمال السياسي يوجه العملية السياسية المقبلة حيث يشاء.

الأحد 2 أكتوبر (228)

 رضا من؟

في الأخبار أن قوات المجلس الوطني قد عثرت على مئات من صواريخ أرض ــ جو سام 7 شرقي بنغازي….. وأنها قد أتلفتها.. نعم أتلفتها! لماذا؟

هل ستكون ليبيا دولة منزوعة السلاح؟ هل سنواجه العدو بمقاومة غاندي؟ أم أن إرضاء الأجنبي سيكون المعيار لرسم سياسات بلادنا؟

الإثنين 3 أكتوبر (229)

السلاح

مجالس محلية ومجالس عسكرية وكتائب وسرايا بمختلف المسميات ورجال يجوبون شوارع المدينة حاملين السلاح. على الأرض مسلحون ساهرون على أمن المواطن والمنشئات… نعم. ألا يوجد من بينهم مدّعون؟

ونسمع هذه الأيام باختلافات واصطفافات بين هذه المجموعة وتلك… هذا من طرابلس وذاك من خارجها… هذا معترَف به من المجلس الوطني، والآخر؟ كلّ الثوار من أيّ بقعة من الوطن جاؤوا، وحازوا على ’اعتراف‘ أم لم يحوزوا، ومعهم الآلاف من ممّن استُشهدوا، رجالٌ يدين لهم الوطن بتحريره من الطغيان. ولكن الجماعات المسلحة تحتاج إلى تنظيم، وأن تنضم جميعا تحت مظلة الدولة بجيشها وقوات الأمن فيها، إذا أردنا إنشاء دولة. 

الثلاثاء 4 أكتوبر (230)

مقابر

لا تزال آلاف الأسر الليبية في انتظار أخبار أبنائها المفقودين، ويتوالى اكتشاف المقابر الجماعية يحتوى بعضها على العشرات والآخر على مئات من رفات الشهداء.

وفي زليتن يعاني السكان من آثار الألغام المطمورة في مزارعهم بالآلاف، ونرى آثارها على شاشات التلفزيون تزرع الموت والجروح وبتر الأطراف.

العالم يذكر المقابر الجماعية لضحايا الخمير الحمر في كمبوديا، ويذكر الخمير الحمر بواحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام في حق شعبه في القرن العشرين. الضحايا هناك كانوا بمئات الآلاف، وقد علِقت صور بشاعتها بذاكرة الملايين في أنحاء العالم الذين قرءوا قصة “حقول القتل” أو شاهدوها كفلم. الجريمة هي نفس الجريمة هنا وهناك، وإن اختلفت أعداد القتلى أو طرق قتلهم.

قبل فبراير كنت سأقابل الحديث عن مثل ما رأيناه من قتل جماعي بمختلف الطرق، وبعضها جديد مبتدع مثل الخنق في حاويات البضائع، بشيء من التشكيك، ما يظهر مقدرة عالية لدى النظام، ليس فقط في إخفاء آثار جرائمه، ولكن أيضاً في إخفاء وجهه الحقيقي بكل ما فيه من قبح.

الأربعاء 5 أكتوبر (231)

تخلف مخيف

سرت وبني وليد مستعصيتان على الفتح. وأخبار النازحين منهما وغير النازحين من سكان بعض المناطق المحررة تروي قصص ليبيين موالين لنظام القذافي، يتمنون عودته قائداً لليبيا! في بعض مدارس طرابلس وبأحد أحيائها المعروفة تحديدا مدرسات يجاهرن بولائهن للقذافي ويمتنعن عن إنشاد نشيد الاستقلال مع الطلبة… في سرت مجموعة من الرجال تتقدم من عدد من الثوار متظاهرة بالترحيب بهم ثم تغدر بهم موجهةً نحوهم نيران أسلحتها.

ما الذي يعنيه استمرار بعض الليبيين في الولاء لنظام قمعي إجرامي قتل من الليبيين آلافاً من غير أولئك الثوار الميامين الذين خرجوا لمواجهته بالسلاح.. شنق بساحات الجامعات وقتل في ساحات أوروبا، وأسقط الطائرات المدنية، وقتل الناس خنقا في الحاويات، واغتصب الأعراض وانتهك كافة الحرمات… أفسد الذمم وأهدر ثروات الأمة؟

إذا ما استثنينا المجرمين الملطخة أيديهم بجرائم النظام، لا أجد تفسيراً لهذا الولاء المستمر سوى أن النظام قد نجح بالفعل في تجهيل ليبيين والإلقاء بهم في ظلمات من التخلف الثقافي المخيف.. الدين والأخلاق والعرف والحسّ السوي كلها غائبة، بل العقل نفسه غائب. أم هي عبادة  ضمن حركة من حركات التبعية لشخص وعبادته (cult) كما أشرت في يومية 24 أغسطس؟

الخميس 6 أكتوبر (232)

ستيف جوبز والربيع العربي

الخبر الذي صدم الملايين في أنحاء العالم الليلة الماضية كان خبر وفاة ستيف جوبز، أحد مؤسسَيْ شركة أبل ومديرها التنفيذي السابق.

العالم يعرفه من خلال إنجازاته. له الفضل الأكبر فيما وصلت إليه صناعة الكومبيوتر الشخصي، وهو من قدّم للعالم الماكنتوش وألـ “آي بود” و”آي فون” و”آي باد”… وهو الذي طور صناعة الرسوم (الجرافيكس) على الكومبيوتر فأسعد الأطفال والكبار بفيلم توي ستوري وما تلاه من أفلام تعتمد على الجرافيكس.

وربيع الثورات العربية يعرف ستيف جوبز من حيث لا يدري الكثير منا، فقد كانت منتجاته هذه وإنجازاته في عالم المعلومات بعضاً من الأدوات الفاعلة في هذه الثورات.

وصفه الرئيس أوباما بأنه أحد أعظم المبتكرين في عصرنا: “شجاعاً بتفكيره المختلف، جريئاً أنه اعتقد بإمكانه تغيير العالم، وموهوباً بالقدر الذي مكنه من أن يغيّره”. وكان يجب أن يضيف أن ستيف جوبز عاش في بيئة تحترم التفكير المستقل وتنمّيه وترعاه وتدفع نحو الإبداع والابتكار والتغيير؛ تغذّي هذه الصفات وتحتفي بأصحابها. بودّي الاعتقاد أن هذا هو ما أينع الربيع العربي من أجله… أن يغير شبابنا العالم… أملٌ… والأمل أيضا في زمننا العربي هذا يحتاج إلى شجاعة.

الجمعة 7 أكتوبر (233)

سرت والموريتانيون

معارك طاحنة تدور رحاها على جبهة سرت منذ أسابيع، ارتفعت وتيرتها بدرجة حادة في الأيام القليلة الماضية حتى بلغت أقصاها مع بدء “الهجوم النهائي” فجر اليوم. ومع حلول المساء كان الثوار يسيطرون على معظم المدينة. ولكن أرقام الشهداء عالية، ربما تجاوزت العشرين في هذا اليوم، وأرقام الجرحى ربما وصلت المائتين.

الحديث يدور حول دور الموريتانيين في هذه المعارك.. قناصة موريتانيون فوق الأسطح… مورتانيون مسلحون ومدربون تدريبا عاليا يمثلون جزءاً هاما من قوات القذافي المتصدية للشباب من ثوارنا على أبواب المدينة ولاحقا في شوارعها… في سرت حيٌّ اسمه حي المورتان.. هو حي الموريتانيين إذن. أتى بهم القذافي بأعداد كبيرة ونسّبهم للقذاذفة ويُعرفون بالطرشان كما يقال… وسبق لثوار مصراتة في أوج معركة تحرير مدينتهم أن قبضوا على مقاتلين موريتانيين في صفوف الكتائب… وقبضوا على محترفين في فنون الشعوذة والسحر يعملون مع الكتائب! وتذكرت أن التعليمات كانت قد صدرت من القذافي بعلاج الموريتانيين في تونس على حساب ليبيا. روى لي صديق منذ أكثر من عام كيف شاهد موريتانيين يستخرجون الفواتير من أحد مستشفيات تونس، حيث كانت والدته تحت العلاج، ليذهبوا بها إلى ما كان يُعرف بالمكتب الشعبي الليبي. ليبيون من مرافقي مرضاهم كانوا يبيتون داخل سياراتهم في تلك الأثناء لعدم قدرتهم على تكاليف الفنادق أو الشقق السكنية.

القذافي جلب الموريتانيين وجنّدهم حتى يدافعوا عنه في مثل هذه الأيام؛ ليقوموا بقتل الليبيين إذا ما نهضوا يوما لاسترداد بلادهم من مغتصبها… وكان للموريتانيين دور ثانٍ؛ أن يدفعوا عنه وعن بطانته شرور الناس وحسدهم باستعمال فنون السحر والشعوذة والتمائم! وفي المقابل أغدق القذافي عليهم من مال الليبيين ما لزم.

حدث ذلك على مدى سنوات… على غفلةٍ من الليبيين. لم يشعر المحيطون بالقذافي والعالمون بما يجري أن عليهم مسئوليةً نحو شعبهم، وإلا كان هذا الفصل الموريتاني من حكم القذافي موضعَ تساؤل، حتى لا نقول موضعَ تحدٍّ. وهكذا كانت كل فصول الإجرام والقبح والسفاهة في عهد الطاغية. وهكذا كانت بطانته، وإلا ما كان ينجو من غضب الليبيين طول هذه العقود.

السبت 8 أكتوبر (234)

ومقابر أخرى

يشغل جزءا من حديث الناس هذه الأيام ما جرى من هدم لبعض أضرحة الأولياء في مقابر المدينة، أحدها كان ضريح سيدي أبو عائشة في المقبرة المعروفة باسمه في سوق الجمعة، وهو ما كان موضوع تساؤل على إحدى الإذاعات المحلية هذا اليوم.

يوجد بين المسلمين من يوافق على بناء الأضرحة ويقوم بزيارتها تبرّكاً، ومِن بينهم مَن يعدّ ذلك إثماً عظيماً، وغالبية الناس ربما لا تنظر إلى أضرحة الصالحين كمصدرٍ للبركة، ولا ترى من ناحية أخرى إثما في إقامتها. وبغض النظر عن الجدل المستعر بين سلفيين وصوفيين وغيرهم في هذا الفرع أو التفصيل من مسائل الدين، ينبغي أن نسأل عمّن يقومون بهدم أضرحة الصالحين هذه. هل هم من مدرسة إسلامية معينة؟ أم أفراد يريدون الإساءة إلى تلك المدرسة؟ أم من الطابور الخامس؟ أم من غير هؤلاء وأولئك؟ كيف يُعقل أن ينشغل ليبيون عما يجري على جبهات المواجهة المسلحة في معركة كبرى لم تنته بعد، يخططون وينفذون ليلاً هدم مقامات لا تضر ولا تنفع؟

ثار الليبيون واستشهد منهم الآلاف من أجل استعادة كرامة هُدرت، وحرية سُلبت… ليقيموا دولة يرتضونها جميعاً، لا من أجل استبدال فئة بأخرى… كانت هذه الفئة أسرةً أو قبيلةً أو حزباً أو مذهباً دينياً أو طريقةً. صبراً حتى تقوم الدولة الجديدة، وعندها سيبني الليبيون ما يشاؤون ويهدمون ما يشاؤون… طبقاً للقانون وعن طريق المؤسسات.

الأحد 9 أكتوبر (235)

دم الشهداء

لا يكاد يمر يوم واحد من دون أن نرى مظاهرة أو اعتصاما لمواطنين ينادون بحقوق أو يجهرون بمظالم. يمرون بشوارع طرابلس بسلام، لا يتعرض لهم أحد بالمنع أو التفريق… نرى من بينهم نساء، ولا تخلو مظاهرة من أفراد مصطحبين لأطفالهم. جميل أن نرى الشعب معبرا عن رغباته بحرية ومن دون خوف.

يعيش الليبيون هذه الأيام عرسا كبيرا للحرية في ذروتها، وإن اختلطت المشاعر بشيء من القلق والخوف مما قد تؤول إليه الأمور. هي في ذروتها الآن، وسيأتي الغد بقوانين منظمة….. أي أنه سيأتي بقيود. 

والقانون في الدولة الجديدة سيكون مصدره الشعب حقيقةً لا زيفاً وخداعاً.. ذلك رجاؤنا. لقد نادت الحشود بمئات الآلاف في مواجهة آلة القتل والدمار: “دم الشهداء ما يمشيش هباء”. تلك أمانة في أعناق الليبيين جميعا.

الإثنين 10 أكتوبر (236)

التدخل الأجنبي وبناء ليبيا

نشرت صحيفة الجارديان في عددها بتاريخ 8 أكتوبر مقالاً بقلم روري ستيوارت، أكاديمي وعضو محافظ في مجلس العموم البريطاني ومؤلف كتاب “بناء الأمم: هل بإمكان التدخل أن ينجح؟” ــــ بالاشتراك مع جيرالد ناوس. وجدتُ من المفيد نشر ترجمة ملخصة للمقال، فهو يناقش احتمالات مستقبل عملية إعادة البناء في ليبيا في ضوء تجارب دولية سابقة في كل من العراق والبوسنة وأفغانستان، ونظريتين سائدتين في الغرب بشأن ما يُسمّى بــ “بناء الأمم” Nation Building. والغرب عنصر فاعل في عملية البناء الليبية أيضاً، وإن كان البعض منا يفضل النظر إليها على أنها عملية ليبية صرفة… وهي ليست كذلك.   أنشر الجزء الأول لملخّص مترجم بتصرّف في يومية هذا اليوم، على أن أستكمله في جزء ثان في يومية الغد إن شاء الله:

(لقد قضيت معظم حياتي العملية في دراسة التدخل [العسكري] والعمل فيه. بدأت مسيرتي كدبلوماسي في تيمور الشرقية، واشتغلت في البلقان والعراق وقضيت بضع سنوات في أفغانستان، ولكن لا شيء من ذلك مكّنني من الشعور، عند دخولي طرابلس في شهر أغسطس، أن باستطاعتي التنبؤ بمستقبل ليبيا. كانت هناك أصداء من بغداد في الرجال الملثمين الممسكين بمضادات الطائرات فوق السيارات وفي الجمهور الغاضب خارج أحد المصارف. هل هذه مقدمة لموجة نهب مفاجئة، ومن ثَمّ إلى سخط وشغب وقنابل على جانب الطريق وصواريخ على المواقع الأجنبية؟ هل ستُبتلع ليبيا، كما كان الحال في التدخل في العراق وأفغانستان، في دوامة من آلاف الضحايا والألم والفساد وغياب الأمن؟

أم هل ستكون ليبيا قصة نجاح مثلما كان الحال في البلقان؟ لقد قُتل في البلقان 100 ألف شخص، وكانت هناك ثلاثة جيوش عرقية و419 ألف رجل مسلح. وتدخَّل الغرب. والآن يوجد جيش واحد وأقل من 15 ألف جندي. عاد مليون لاجئ إلى مواطنهم وأكثر من 200 ألف منزل أعيدت إلى أصحابها. أُلقي القبض على كارادتش وميلوسوفتش وميلادتش وحوكموا كمجرمي حرب. وبالإمكان التحرك عبر البوسنة من دون أن تمرّ على نقطة تفتيش أمنية واحدة. لقد انتهت الحرب تماما، وتمّ هذا الإنجاز من دون فقدان جندي واحد أمريكي أو من دول الناتو. هل هناك دروس في هذه الحالات الثلاثة من التدخل ترشدنا إلى النجاح في ليبيا؟

نظريتان رئيسيتان كانتا موضوع دراسة من قبل المسؤولين عن “استراتيجية ما بعد الصراع” في ليبيا. النظرية الأولى كانت تلك التي تبنتها إحدى أهمّ مؤسسات الدراسات في العالم، مؤسسة راند، تركّز على الموارد والتخطيط. نجحت عملية البلقان في نظر راند بسبب توفر قوات كافية والمال والإدارة الجيدة، وفشلت عملية العراق بسبب عدم وجود خطة لما بعد الحرب، وفشلت عملية أفغانستان بسبب عدم توفر الموارد.

أما النظرية الثانية، والتي ويبرز من بين دعاتها بادي آشداون الممثل الأممي السابق في البوسنة، فهي تدعو إلى ’التدخل بقوة‘ وصولاً إلى سيادة القانون بأقصى سرعة، عن طريق قيادة دولية جريئة وذات قبول، وينبغي بعد ذلك “تحاشي تحديد نهاية زمنية لها… يجب القبول بأن المهمة ستكون طويلة، فحفظ السلام يقاس بالعقود لا بالشهور”. في هذا السياق، كتب آشداون إلى رمسفلد سنة 2003 مقترحا تأجيل الانتخابات في العراق إلى حين بسط سيادة القانون، وحذّر سنة 2008 أن أفغانستان بحاجة إلى “شخص واحد يقود العملية الدولية تكون له السلطة المناسبة لقيادة الأطراف الدولية المختلفة”.

كلا النظريتين تركزان على “الأجنبي”. كلا النظريتين لا تبديان تفاؤلاً حيال القدرات المحلية ـــــ يتم تصوير الشعوب والقادة بشكل سلبي، كمجرمين أو ضحايا ـــــ ولكن النظريتين متفائلتان حيال ’المجتمع الدولي‘ المفترض فيه النجاح في أي مكان من العالم، شريطة توفّر الاستراتيجية المناسبة والموارد والثقة. عنوان إحدى منشورات مؤسسة راند يشي بهذه النظرة: “كتيب إرشادي للمبتدئين في بناء الأمم”!

العيب الأساسي في هاتين النظريتين يكمن في أنهما لا تعكسان أدنى قدر من المعرفة أو القدرة على الفعل أو شرعية العمل في بلدان الآخرين. أعرف من خبرتي أن الأجانب معزولون ومحدودو الإمكانيات بدرجة أكبر مما يعترفون به. [من واقع تجربتي في أفغانستان] أستطيع القول أن الأجنبي كان حتماً معزولا عن الحياة الأفغانية: بسبب قصر مدة الإقامة، والقيود الأمنية، ومتطلبات العمل، والتعليم، ولمجرد كونه أجنبياً. حتى أكثر الأجانب مثابرة سيكون على اتصال أضعف بحقيقة الحياة اليومية من أصغر واضعي السياسات العاملين من منازلهم على القضايا الداخلية لبلدهم. أعرف ذلك لأنني كنت واحداً من أولئك الأجانب.

الموظفون المدنيون الأجانب كان لديهم قدر قليل من المعرفة بالعراق أو أفغانستان من جوانبهما الإنسانية والجغرافيا والتاريخ والأدب والدين. ولم يكن أولئك الموظفون خبراء في قضايا المرأة أو نظام الحكم في العراق أو أفغانستان: كانوا خبراء في قضايا المرأة ونظم الحكم. هذا لا يعني أن الأجانب لا يستطيعون فعل أي شيء. حتى في أفغانستان كانت هناك أمثلة لتحسينات كبرى في المالية والصحة والأشغال العامة والتعليم والاتصالات خلال سنتين من التدخل سنة 2001. عملية إنشاء مصرف مركزي أوتحقيق استقرار للعملة هي نفس العملية في أي مكان في العالم، ولا تعتمد على التركيبة المجتمعية في قرية من قرى أفغانستان. لقد حسّن الأطباء ألأجانب المدرَّبون الرعاية الطبية، والمهندسون الأجانب ساهموا في تصميم الجسور وإنشاء محطات الكهرباء وصيانة المعالم الأثرية. ومع ذلك يبقى لدى الخبراء الأفغان في هذه المجالات ميزاتهم.

ولكن عزلة حياة الأجانب وأفكارهم المجردة (النظرية) أدت إلى ضعف أداء الأجانب كلما اقتربوا من البنية الحقيقية للحياة الريفية في أفغانستان. لقد حققوا نجاحات في تحقيق استقرار العملة، ولكنهم فشلوا فشلا كبيرا في إقامة حكم رشيد أو سيادة القانون أو تحويل المزارعين عن زراعة الخشخاش أو غير ذلك من عناصر “بناء الأمة”.

لقد أنفق المجتمع الدولي مئات الملايين من الدولارات، على سبيل المثال، في محاولة لبسط سيادة القانون في أفغانستان. قدّر صديق أمريكي عمل مستشاراً في مجال سيادة القانون أن تكلفته مع زميله الوحيد ومصاريف فريق إقامتهما وأمنهما بلغت 1.5 مليون دولار في السنة. لقد أنفق الغرب مئات الملايين من الدولارات لكي يحاضر أمام المحامين الأفغان، ويوفد قضاة أفغان ليلتقوا بقضاة وسط الغرب الأمريكي، ويقيم الندوات، ويعيد نشر القوانين، ويعدّ لوائح إدارية جديدة، ويبني سجونا، ويدرب الشرطة. وفي النهاية كانت العدالة التى نفذها شباب الطالبان، المستظلون بالأشجار، أكثر إنصافا وكفاءة من المؤسسات التي كرّس المجتمع الدولي وقتا طويلا وأموالا طائلة لها. يقول كثير من الأفغان وبأعداد متزايدة: “على الأقل، كان هناك أمن وعدل تحت الطالبان”. وتوجد أمثلة أخرى لفشل الغرب في إقامة “حكم رشيد” أو نزع السلاح وحل المجموعات المسلحة.

وفي النهاية لم تكن البرامج الدولية الأكثر طموحاً والتي سعت إلى تغيير الدولة جذرياً برامج فاشلةً وحسب؛ فقد أحدثت أضراراً. لقد ضخّم المجتمع الدولي المخاوف من الإرهاب الأفغاني وزعزعة الاستقرار الإقليمي إلى درجة أن الفشل لم يكن خيارا مطروحا. وأدّى الشعور بالذنب تجاه الأرواح التي أُزهقت، والوعود التي قطعتها المجموعة الدولية على نفسها، إلى جرِّ الغرب إلى ما هو أبعد غوْراً في الدين الجديد: “بناء الأمم”).

الثلاثاء 11 أكتوبر (237)

التدخل الأجنبي وبناء ليبيا ــــ الجزء الثاني والأخير

أواصل تلخيص مقالة روري ستيوارت في جزئها الثاني والأخير. في هذا الجزء يتناول الكاتب بالتقييم أداء الخبراء الأجانب المبعوثين في مهام تتعلق بإعادة البناء، وبعضاً من رؤيته للحالة الليبية. نلاحظ هنا شهادة شاهد منهم على جوانب في تكوين هؤلاء الخبراء الأجانب تؤدي إلى قصور في أدائهم في مجتمعات لا يعرفون غير القليل عن ثقافتها وتاريخها. نحن ندرك ذلك، ولكن يوجد من بيننا من لا يثق في غير الأجنبي وعلمه وخبرته؛ بل من بيننا من ينفي وجود خبراء (أو تكنوقراط، كما قال أحدهم) ليبيين أساساً. نواصل:

(وبالنظر إلى ميول الحكومات الغربية ــ بسبب عزلة موظفيها عن المجتمعات المحلية، وانغماسهم في الأفكار النظرية لبناء الأمم، والشعور بالذنب تجاه قتلاهم، وميلهم إلى إنكار الفشل ــ كيف لنا أن ننجح في ليبيا أو في أي مكان آخر؟ والجواب: ربما بالتعلّم من البلقان.

في كوسوفو ما بعد الحرب، مثلما كان الحال في أفغانستان، لم يكن الموظفون الأجانب على دراية بأطر الأمن والإدارة والعدل السابقة للأزمة. وفي كوسوفو أيضاً انصبّ تركيز الأجانب على المسائل بعيدة المدى مثل البطالة والتعليم والتمييز بين الجنسين والخدمات، من دون الإقرار بأن تلك لم تكن الأسباب الرئيسية للصراع.

ولكن السر في النجاح في كوسوفو ربما كان في أن هذه العيوب لم تكن مطلقة الحركة، فقد كانت الولايات المتحدة مترددة في التدخل في البوسنة، وعندما تدخلت كان تدخلها بغير حماس. لقد كانت المهمة إنسانية، الغرض منها إنهاء الحرب. ولم تكن البلقان تعتبر مصدر “تهديد وجودي” ، ولذلك لم تكن هناك إرادة ولا تفويض لفرض برنامج “بناء أمة” جذري في وجه المقاومة المحلية. إن غياب الإرادة القوية والتفويض لم يقوّض التدخل، بل وفّر للبوسنيين فضاءً أرحب للأخذ بزمام القيادة في مجالات حيوية.

إن الدرس الرئيسي لليبيا هو أن النجاح لا يعتمد على خطط وعبقرية الأجانب إلا بدرجة أقل بكثير جداً من اعتماده على السياق المحلي، الذي هو سياق يتسم في جوهره بالفوضى وعدم وضوح الرؤية.

إن أفضل ما شهدته في ليبيا هو الاحتفالات في طرابلس، ذلك أنها كانت احتفالات ليبية خالصة. لم يكن هناك حراسٌ أجانب أو موظفون من الأمم المتحدة. لم يكن هناك أجانب غير عدد من المراسلين. ولكن خارج ميدان الشهداء حيث كانت الاحتفالات، لم يكن كل شيء على ما يرام. تساءلت ما إذا كان الفندق الذي احتلته مجموعة من الثوار سيكون مجرد أول المواقع التي سيتم وضع اليد عليها، وما إذا كانت توجهات القادة الإسلاميين ستكون خطيرة، وكيف ستكون آثار تقاعس الحكومة الجديدة أو المنافسات القبلية أو الفساد في المستقبل. ولكن أعضاء الحكومة الليبية الجديدة، بعكس نظرائهم العراقيين أو الأفغان، لم ينكروا وجود هذه المشاكل، ولا تظاهروا بقدرتهم على إلغائها.

الدرس الذي يجب أن نتعلمه في جميع هذه البلدان هو أنه ليس من بديل عن الخبرة بالبلد المعني، وأن أفضل ما يمكن أن يقوم به الغرب هو أن يعتمد على عدد أكبر من الأشخاص الملمّين بالتاريخ والثقافة في ليبيا، مع الاهتمام بحقائق المعيشة خارج المدن. يجب على المجموعة الدولية أن تجلب مثل هؤلاء الخبراء الذين تتوفر لديهم التجربة الميدانية إلى مركز السياسات للحدّ من التجريد النظري وعزلة هذه النخب. يجب ألا يكون دور هؤلاء المستشارين التنبؤ بحدوث فوضى بعد سقوط النظام ــ ذلك التنبؤ سيكون مستحيلا حتى بالنسبة لليبيين ــ ولكن لتحسّس اتجاهات السياسة في البلاد. هل هو الفساد وليست هي التقنية المسئولة عن إعاقة توفير البنزين؟ ما هي المؤشرات، إن وجدت، على أن الحكومة الانتقالية قد بدأت تفقد شرعيتها؟ هل من الحكمة المخاطرة بانتخابات مبكرة؟ متى ستكون المساعدة الأجنبية عاجزة عن فعل المزيد ــ متى ستعتبر تلك المساعدة مساهمة في جعل الوضع أكثر سوءاً؟

لقد ترك التدخل في ليبيا مساحة أكبر للقيادة الليبية والكبرياء والخيال الليبييْن، وربما ترك لنا علاقة مستمرة بالقدر الكافي لنساند المبادرات والفرص المحلية. إذا ما كان التدخل في ليبيا مبرَّرا وناجحا، فإن مردّ ذلك النجاح سيكون صعوبة اعتباره تدخلا على الإطلاق).

 الأربعاء 12 أكتوبر (238)

أخبار واحتفالات

أعلن عن القبض على المعتصم القذافي في سرت عن طريق وكالة روترز للأنباء، وعن ونقله إلى بنغازي. فخرج الناس إلى الشوارع، وأطلقوا النيران في الهواء في عادة سيئة جديدة. أسمع نيران الرصاص، والــ م ط أو الــ 14 ونص (؟) لا أميّز بينها، من منزلي. النيران كثيفة ومخيفة.. قد نسمع بإصابات وضحايا يوم الغد. رصاصة سقطت في حديقة المنزل.

وكان الخبر في وقت متأخر من نفس الليلة موضع تشكيك.. قد لا يكون الخبر صحيحا مثل أخبار مماثلة ثبت عدم صحتها بعد إذاعتها.

ألم يكن ممكنا أن تصدر بيانات عن العمليات العسكرية مرقمة ومؤرخة.. بيانات موثوقة صادرة عن جهة ما تتبع المكتب التنفيذي أو المجلس الوطني نفسه؟

 الخميس 13 أكتوبر (239)

جيتار

خرجت هذه الصورة[1] من وسط معارك سرت، لتستحوذ على اهتمام العالم.. أظهرت الصورة الوجه الإنساني وراء المعركة الشرسة، فنشرتها الصحف وأذاعتها التلفزيونات. يقاتلون ويغنون.. يعزفون على آلاتهم الموسيقية كما يفتحون نيران أسلحتهم على العدو. هم شباب قدموا من كل المهن والاتجاهات، طلبة وعمال ومهندسون وأطباء ومحامون وسائقو مركبات وعاطلون عن العمل.. ملابسهم تظهر أنهم شباب مدني، لا عسكريون محترفون.. لاحظ حذاء (؟) الشاب المتقدم منهم. لا يربطهم حزب ولا قائد.

أرادوا أن يكونوا أحراراً وأن يستردّوا لشعبهم كرامته… فكبّــروا وصلّوا  وقاتلوا… ومنهم من لم ينسَ جيتاره.

الجمعة 14 أكتوبر (240)

النازية والمصالحة

ظهر أخيراً كتاب لفريدريك تايلور بعنوان “طرد روح هتلر” Exorcising Hitler، تناول فيه المؤلف ما سُمّي باجتثاث النازية. ما الذي حدث في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية؟ أسرى ألمانيا من العسكريين عوملوا معاملة قاسية جدا وكانت نسبة الوفاة في مراكز الاعتقال بينهم عالية جداً. وماذا عن أعضاء الحزب النازي، “حزب العمال القومي الاشتراكي”؟ كان في ألمانيا ما يقارب 8 ملايين (حوالي 10% من الشعب الألماني) عضو مسجل، وكانت سياسة الحلفاء تقضي بملاحقتهم في الحياة العامة وتحويل من توجد ضدهم أدلة إلى المحاكم. طُلب منهم جميعا تعبئة نماذج تحقيق يتقرر في ضوئها الإجراء تجاههم؛ والإبعاد من الوظيفة العامة كان الإجراء الأخف. نسب كبيرة من بينهم كانوا من مهن معينة؛ من المعلمين ومن المحامين على سبيل المثال، حتى أن النقص في هاتين المهنتين كان من الصعب معالجته. وأنكر كل من استطاع منهم أي علاقة بنشاطات حزبية غير مقبولة في العهد الجديد.

التغلغل الكبير للنازية في الحياة العامة، وفي مهن بعينها، والمدى الواسع للإنكار وإخفاء أي أدلة على العكس، خففت من ثقل سياسة الاجتثاث إلى حدٍّ كبير، وهي لم تبلغ مداها بالتأكيد. المؤلف يشير إشارة غير خفية إلى أن الشعب الألماني قد حقّق الاستقرار لبلاده بنسيانه هتلر وليس بــ ’طرد روحه‘!

ذكّرني ذلك بصديق ألماني كنت سالته منذ سنوات، وفي معرض الحديث عن اختفاء النازية شبه التام عن الحياة العامة في ألمانيا ما بعد الحرب.. سألته عن والده “هل كان عضوا في الحزب النازي؟” فقال إنه كان ضابطا بسلاح الجو اُسقطت طائرته فوق بريطانيا أثناء الحرب وقُبض عليه أسيراً. عاد إلى ألمانيا بعد الحرب، “ولكننا لم نناقش معه ماضيه أبداً، تلك الحقبة لم تكن أبداً موضوع أي حديث في بيتنا”. حسبتها حالة فردية معزولة، ولكن يبدو أنها لم تكن كذلك. هل كان الألمان في حالة إنكار ــــ نسيان متعمد؟

ولكن وضع أتباع العهد البائس المنهار عندنا مختلف تماماً.. لا الثورة تستهدفهم بالاجتثاث ــ وهذا توجّه صائب ــ ولا هم يشعرون بالحاجة إلى إنكار. هم موجودون في العلن، من مدرّسات في بعض المدارس يرفضن ترديد نشيد الاستقلال إلى رجال بأسلحتهم وأعلامهم كما حدث في بوسليم هذا اليوم، ما يعني استخفافا بالثورة وهيبتها وسلطتها وقدرتها على الردع، وخطراً عليها. 

لقد جلب الفكر ــ إن أسميناه فكرا ــ والممارسة في العهد البائس المنهار الموت والخراب لليبيا. إن ما ارتُكب ضد الليبيين في ذلك العهد بأكمله، وليس فقط في الأشهر الأخيرة منذ فبراير، يرقى في مجمله وبتفاصيله إلى جرائم ضد الإنسانية، ولا مجال لاعتباره ’فكراً‘ يُسمح لأتباعه بالترويج له والعمل على الوصول به إلى السلطة. إن كان فكراً فهو فكر عنفي مسلح غير مؤهل للمشاركة في العملية السياسية الديموقراطية وفي كثير من الوظائف العامة، مثل التعليم. وقد رأينا تأصّل روح الجريمة في أتباع هذا ’الفكر’ في رفعهم للسلاح ضد الثورة هذا اليوم، وضرب الكهرباء وقطع المياه عن المدينة، الشيء الذي فعلوه منذ بضعة أسابيع أيضاً.

أما المصالحة فلها أطرافها، وليس من بين تلك الأطراف من يعمل لإلغاء الآخر حتى باستعمال القوة. النظام السابق وأتباعه لا يقبلون تعايشاً مع الآخر من أي لون من ألوان الطيف كان، والبطش والقهر والقتل هي الحَكَم الفاصل عندهم. والثوار أنفسهم لم يروا حياة لهم مع نظام تلك أساليبه وادواته فاستمروا بثورتهم حتى الإطاحة به.  المصالحة والتسامح لا يستقيمان مع مثل هذا ’الفكر‘. أما على مستوى الأفراد المتراجعين عن طريق السوء هذا، فذلك شأن آخر. 

السبت 15 أكتوبر (241)

سيدي عمر

مرةً أخرى وجدت نفسي أمام رسالة صادرة من السيدعمر المختار، أظنني كنت قد استقيتها من كتاب لأخي الدكتور محمد المفتي.

كان شيخ الشهداء قد استلم رسالة سنة 1925 من مترجم لدى السلطات الإيطالية اسمه عبود راشد، يدعوه فيها إلى ترك الجهاد والاستسلام للإيطاليين، فإيطاليا ’دولة قوية لا يمكن قهرها، ويكفي ما تكبّدته البلاد من قتل وسوء عيش‘.

جاءني السؤال شبيها بمن ربما وجّه نفس الدعوة لأحفاد عمر المختار في شهر فبراير وما بعده: “لماذا تقاتلون؟ إن دولة القذافي قوية بدباباتها وصواريخها وأموالها ومرتزقتها وجنونها.. لا يمكن قهرها بسيارات تويوتا ورشاشات كلاشنكوف.. يكفي ما تكبدته البلاد من قتل ودمار وسوء عيش”.

روح الرد في الحالتين واحدة؛ لو وضعنا ’نظام القذافي‘ مكان ’إيطاليا والإيطاليين‘ لوجدنا أنفسنا أمام رد ثوار فبراير. ردّ سيدي عمر كان كما يلي، بالحرف:

(سلامٌ على من اتّبع الهدى، لولا وجوب رجوع الخطاب لا أخاطبكم…

 قولُكم إنّكم من حين قدومكم لهذا الوطن وأنتم باذلون النصيحةَ لأبناء جنسِكم وأنَّك عربي، فالنصيحة التي تؤدّي إلى الركون للعدوّ لا حاجة لنا بها، فنحن متوكّلون على الله لأنَّ قوة الإيمان يتلاشى في جانبها كلّ مدد.  قال الله تعالى في كتابه المبين (إنَّ الله مع المتَّقين)…

وقولُكم من جهة تعب الوطنُ وأهلُه، فنحن عارفون مقصدَنا، فمن عرف ما قصد هان عليه ما وجد…

وقولُكم أنَّ حكومَتكم [الإيطالية]  لا تقصد للعرب إلا الشرف، فالذي رأيناه نحن بخلاف ذلك… أفهذه الأفعال أفعال حكومة لها شرف؟ (لا والله) وكل ما ذُكر لك لا تتحمّله نفسٌ عربية ولا ذوو الشيمِ الزكيّة. وقد نهانا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، قال: (ولا تركَنوا إلى الذين ظلموا فتمسكّم النار)…

وقلتم أتعتقدون أنَّكم قادرون أن تُبعدوا هذه الحكومة [الإيطالية] من هذه المقاطعة [ليبيا] لتحكموا مكانها؟ فالقادر هو الله، ولسنا نحن طالبين شيئا يستحيل علينا بحول الله وقوته…

… ورجال الوطن لا يتركون [الإيطاليين] بحول الله وقوته حتى يطهروه من أدرانهم أو يضحوا عن آخرهم لا سمح الله، وذلك هو مرامهم التضحية في سبيل الله والوطن…

وقولكم إذا ترغبوا في الاجتماع بنا للمخاطبة في شأن ما يعود بالراحة على الوطن، فهذا الطلب غير موجود لدينا أصلا).

هذه الرسالة جزء من تاريخ الوطن، وجزء من زاد الأجيال في الدفاع عنه وعن كرامته.

الأحد 16 أكتوبر (242)

حكومة

لا زلنا في انتظار إعلان التحرير إعلانا رسميا، رُبط على نحوٍ غيرِ مقنع تماما بتحرير سرت. يكتسب الإعلان أهمية تتجاوز الجانب الشكلي،  فقد اعتبره المجلس الانتقالي شرطاً لإنشاء الحكومة.

البلاد لا تحتمل المزيد من التأخير في إنشاء حكومة قادرة ومقبولة من عموم الليبيين، تبسط الأمن وتضع حداً للتخبط وفوضى السلاح، ولتعدد مصادر القرار والفعل على الأرض بمختلف شرعياتها… البلاد بحاجة إلى حكومة تعيد بناء الإدارة، وتنظم الخدمات، وتضع حدا للتشرذم المناطقي، وتمهد للتحول إلى الدولة الديمقراطية الجديدة.

في انتظار إعلان التحرير….

الإثنين 17 أكتوبر (243)

وتهدمت أسوار الحصن

الثلاثاء 18 أكتوبر (244)

سراب؟

نشرت “الشرق الأوسط” في عدد اليوم مقابلة مع الدكتور محمود جبريل، رئيس المكتب التنفيذي، فجاء كلامه خطيراً في توصيفه لما هو قائم على الأرض، ومنذراً بما هو أدهى في رؤيته إلى مستقبل ليبيا. من ضمن ما صرح به الكتور جبريل ما يلي:

“قواعد اللعبة الآن تيارات تملك السلاح والمال وتملك التنظيم وتملك أحيانا حتى الإعلام، بينما لا المكتب ولا المجلس يملك أيا من هذه الأدوات، فتحول الأمر إلى شرعية رسمية يحملها المجلس والمكتب وشرعية فعلية على الأرض هي التي تنفذ أو لا تنفذ تعليمات المجلس أو المكتب، مع تسارع الأيام وتباعد الانتخابات قد تتحول الشرعية الفعلية إلى الشرعية الوحيدة التي يحترمها الناس إما خوفا أو طمعا، وبالتالي تصبح القضية شبه مستحيلة والتحول الديمقراطي الذي كنا نعد به يصبح سرابا”.

رئيس المكتب التنفيذي يقرّ بأنه لا المكتب ولا المجلس يملك سلطة على الأرض، وبأن جهات أخرى تملك السلاح والمال والتنظيم تتصرف على الأرض كما تشاء…. وأن التحول الديمقراطي الموعود قد يصبح سراباً.

في ظل هذا التشخيص وهذه الرؤية ستكون الحكومة الانتقالية الموعودة ـــــ إن تمّ تشكيلها ــــــ في نفس الحالة من العجز، ولن يكون هناك تحول ديمقراطي، بل مقدّماتٌ قد لا تُحمد عقباها.

الأربعاء 19 أكتوبر (244)

في انتظار إعلان التحرير

التمشيط جارٍ في بني وليد، ومقاومة سرت مستمرة. المعارك فيها مستعرة، وأعداد الشهداء كبيرة. أنباء تصف المقاومة في سرت على أنها عنيفة وأنها شرسة. الثوار بين كرٍّ وفر، وهناك حديث يبدو مؤكدا عن وجود المعتصم هناك. مؤكد؟ لا خبر مؤكدّ في هذه الحرب. نسمع منذ مدة بإلقاء القبض على فلان لنسمع تكذيبا للخبر بعد يوم أو أيام. سقوط سرت وشيك.. هي ساعات.. هو يوم أو يومان. كان الرجاء أن تكون الجمعة الماضية جمعة التحرير.

ولا ننسى الحديث عن السحر. التمائم مع الأسرى والقتلى من رجال الكتائب… رؤوس الغزلان وقد اقتلعت عيونها لتثبّت مكانها عيون بشر، وتُعلّق على أبواب العمارات حيث القناصة!

الدمار في سرت كبير. وكان جهد تطويرها أيضا كبيرا، والأموال التي ضخها النظام السابق في سرت لا تقارن بالإنفاق في غيرها من مدن ليبيا. في الستينيات من القرن الماضي كانت درنة مدينة، وسرت كانت قرية صغيرة. سرت أصبحت مدينة بمرافقها الحديثة ومينائها الذي كان يخطط لتوسيعه في مرحلته الأخيرة ليكون أكبر موانئ ليبيا. ودرنة؟ أصبحت مدينة مهشّمة. مدن جبل نفوسه مثال آخر، بعضها لم يعرف شبكات المياه العامة إلى الآن… إلى الآن.

ويبقى السؤال معلقاً: متى سيكون إعلان التحرير… ثم الحكومة… والمؤتمر الوطني… والدستور…  والانتخابات….

الخميس 20 أكتوبر (245)

النهاية

سقط الطاغية بفعل ثورةٍ استمرت مائتين وخمسة وأربعين يوماً، وقودها عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وصمودٌ وصبرٌ وعنادٌ لا يلين في وجه طغيانٍ ربما كان الأعتي على وجه الأرض في القرن العشرين والعقد الأول من هذا القرن.

في هذا اليوم المجيد سقط فرعون هذا الزمان، ومعه عصابته وسَحَرتُه، في طريقه إلى وادي جارف حيث وُلد منذ حوالي سبعين عاما. ولكن القدر أراد له ألا يصل. اثنان وأربعون عاما حكم فيها البلاد حكما مطلقاً، وبسط ظله الثقيل قتلا وسجنا وتشريدا وانتهاكا للحرمات، وفساداً وسفاهةً وعبثاً… انتهت في هذا اليوم.

“أنا المجد” قال عن نفسه، ولكن الثوار عثروا عليه جرذاً ــــــ بعد أن كان يصف شعبه بالجرذان ـــــ في أنبوب تحت طريق عام.. وقُتل.

(وكان حقا علينا نصر المؤمنين)  صدق الله العظيم، الروم، الآية 47. 

حمداً لله، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده… ورحم الله شهداءنا.. نبلاءنا.. أحفاد سيدي عْمر.

روايات ….معمر، شنو فيه؟

اختلفت الروايات وتضارب بعضها، ولكن الأرجح هو أن القذافي والمجموعة المتبقية من أتباعه قرروا الهروب ليلة الأربعاء/ الخميس. خرجوا في رتل من عشرات المركبات متجهين شرقاً قبل الفجر، واضطروا للتراجع في مواجهة نيران الثوار هناك. اتجهوا غرباً. هل كان طيران الناتو يتابعهم، وانتظر موقعا مناسبا لضرب الرتل، أم أن هناك تفسيرا آخر؟

جاءت الغارة الجوية طبقا لرويترز عند الساعة 8.30 صباحا، على بعد حوالي 3 كيلومتر غرب سرت، وعشرين متراً خارج الطريق المعبد. مراسل الوكالة عاين 15 سيارة نصف نقل (بيك أب) محملة برشاشات ثقيلة كانت لا تزال تحترق. داخل هذه المركبات وعلى مقاعدهم كانت هياكل عظمية متفحمة، وجثث آخرين كانت ملقاة على الأرض خارج المركبات… مجموع القتلى في تقدير المراسل كان 50 شخصاً.

أحد الثوار، إسماعيل، قال لقناة الجزيرة إن الناتو كان قد أبلغهم أن رتلا ــــــ به القذافي؟ ــــــ قد خرج في طريقه إلى وادي جارف. الناتو ضرب الرتل في منطقة الزعفران. وكان معمر القذافي من بين الهاربين بعد الضربة الجوية للرتل. لاحقه الثوار وتعاملوا معه ومع مرافقيه. واستمرت المعركة والمطاردة حتى وجده الثوار داخل كمرة (أنبوب تحت الطريق). كان مصابا. لم يقاوم، بل سألهم “شنو فيه؟ شنوا تبّوا؟”. طبقا لإحدى الروايات أطلق عليه أحد الثوار رصاصة في رأسه ونقله الثوار في سيارة إسعاف، إلى مصراته.

منصور ضو: في مقابلة مع العربية أكد منصور ضو توجهه ضمن رتل القذافي إلى وادي جارف. تفرقوا بعد الغارة فبقي هو مع القذافي وبوبكر يونس وابنيْ بوبكر يونس وحوالي خمسة من المسلحين. ووقع أسيراً في أيدي الثوار.

سيف: الأخبار متضاربة.. من شبه المؤكد أنه قد لقي حتفه أو أنه مصاب.. مكانه مستشفى في زليتن.

بوبكر: أحد الثوار، من كتيبة علي بن أبي طالب، الذي قبض على أبوبكر يونس في إحدى الأنابيب (كمرة من كمرات  الطرق) لم يتعرف على أبوبكر حتى أبلغه ابنه ـــــ ابن أبوبكر ــــ أنه هو. كان يحتضر. الشاب اليافع قال “كنا نضربوا عشوائي، وربنا يسدّد”. ذكّرني بقوله تعالى “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”.

المعتصم: وكانت للمعتصم قصته هاربا مع مجموعة من المسلحين، وشى به أحدهم. رفض عرضا بالأمان مفضلا مواصلة الهروب إلى مركبتين تنتظرانه على الطريق. ولم ينج من أيدي الثوار، ولم ينج من كانوا في المركبتين.

الباقون: الباقون، ومن بينهم عبد الله السنوسي وأحمد إبراهيم وموسى إبراهيم وغيرهم من رؤوس النظام، وقعوا بين قتيل في الغارة وقتيل على أيدي الثوار وأسير وهارب.

(فكلاَ أخذنا بذنبِه، فَمِنْهُمْ مَنْ أرسلنا عليهِ حاصِباً ومنهم مَنْ أخَذَتْه الصّيْحةُ، ومِنهم مَنْ خَسَفنا بِهِ الأرضَ، ومِنهمْ مَنْ أغرقْنا، وما كان اللهُ ليظلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).. صدق الله العظيم، العنكبوت، الآية 40.

تلفزيون

المرور بقنوات التلفزيون يظهر أن العالم كله كان يتابع أحداث ليبيا في هذا اليوم. كان السباق محموما وراء الخبر وتأكيد الخبر ودعمه بالصورة، ونقل نبض الشارع في هذا اليوم التاريخي الفاصل.

  • العربية سبقت الجزيرة إلى مصراته. مراسل العربية كان في مصراته حين وصلت جثة القذافي إلى سوق التوانسه، في الوقت الذي أذاعت فيه الجزيرة أن الجثة في أحد مساجد مصراته… في مسجد؟!
  • عوّضت الجزيرة مساءً بوصولها إلى مصراته ومقابلاتها مع الثوار المشاركين في معركة الزعفران/ سرت 20 أكتوبر.
  • العربية انفردت بمقابلة مع منصور ضو.

متفرقات !!

  • برلسكوني أعلن نهاية الحرب في ليبيا.
  • الفاتيكان اعترف اليوم بالمجلس الانتقالي ممثلا للشعب الليبي.
  • أجرت الجزيرة مقابلة مع الناطق باسم المجلس الانتقالي… كان واضحاً أن الرجل لم يكن يملك معلومات عن ظروف مقتل القذافي يضيفها إلى ما كان معلوما لدى الجميع وقتها.
  • أذاعت الجزيرة خبر أن رئيس مجلس طرابلس العسكري يؤكد مقتل القذافي، وتركت الخبر على خلفية حمراء مدة ساعة أو أكثر. الرجل لم يكن في سرت أو مصراته.

شنو فيه؟ نعم، شنو فيه؟

انتهى القذافي بعد حكم استمرت اثنين وأربعين عاماً، وانتصرت الثورة عليه في مائتين وخمسة وأربعين يوماً، لتبدأ معركة بناء الدولة الليبية العصرية…. تلك هي المعركة الكبرى.

 29 أكتوبر

خاتمة يوميات هرمنا 17 فبراير

جاءت انتفاضة بنغازي (وربما انتفاضة البيضاء قبلها طبقاً للبعض) على غير توقّعٍ جدّي من أغلبنا، رغم الإعلان والدعوة إليها على شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من مواقع الإنترنت، بل جاءت يومين قبل الموعد المحدد لها. وكانت خلفيّتها انتصار الثورتين الشعبيتين في تونس جارتنا الغربية ومصر في الشرق. وتسارعت أحداث الشرق الليبي وتعاظم زخمها على نحوٍ آذن بأحداثٍ لم يكن باستطاعة أحد أن يتبيّن نهايتها. ولكن التمنيات كانت غالبة، والمثالان شرقنا وغربنا غذّتا الطموحات، والإعلامُ الفضائي أجّج المشاعر وعبّأ العالم من حولنا.

وكنت من بين أولئك المتمنّين، بل حسبتُ الانتصار، بعد سقوط كتيبة الفضيل تحديداً، أمراً قريباً جداً. وجرت الأمور على غير ما توقع أكثرنا، فقد فقدت الثورة جانباً كبيراً من زخمها بقمع النظام لانتفاضة طرابلس بوحشية في مهدها، مما أطال عمرَ النظام وضاعف عدد الشهداء إلى عشرات الآلاف، ونشَر الدمار. وارتكب النظام من الموبقات ما لم يخطر على بال.

ومع بداية الانتفاضة بدأتُ في كتابة يومياتٍ أسجّل فيها مختصراً للأحداث يوماً بيوم، علها تسعف الذاكرة في يوم ما. ومن بعدُ رأيت أن أبعث بها إلى أقارب لي في الخارج بديلاً عن الرسائل وعن المكالمات الهاتفية التي لم نكن نستطيع أن نعبر فيها عما يدور حقيقةً بأي شكل خارج إطار تكرارٍ لا معنى له لكلماتٍ معدودة: “الحمدلله.. طيبين.. كويسين.. الجو ممتاز.. كيف حالكم انتو؟..”

باشرت في إرسال رسائلي اليومية هذه عن طريق دائرة الإنترنت الفضائية الخاصة بالشركة الأجنبية التي أعمل فيها، وغيرها فيما بعد. وتغيرت طبيعة هذه اليوميات بعض الشيء فتضمنت خواطرَ شكّلها الظرف الخارق لكل معتاد من جهةٍ، والمكانُ من جهةٍ أخرى؛ فقد اختلطت مشاعر الخوف والأمل بمشاهد من الجنون والهمجية والسفه والكذبِ طمعاً والكذبِ خوفاً، وأزيزِ الطائرات وأصواتِ الانفجارات ليلاً، وغيابِ حركة الشارع نهاراً، والصورِ الواعدة بنصرٍ قريب، والأخرى الصادمة؛ ومن بنغازي الحرة، وتونس النزوح الليبي، ومصر المتأرجحة بين الثورة والأمس القريب.

اهتمّ البعض بهذه اليوميات، واقترح أحدهم في لندن، وهو ابن أختي، السيد عمر عزيز شنيب، أن يقوم بترجمتها ونشرِها في مدونةٍ باللغة الإنجليزية، ثمّ اقترح السيد عاشور الشامس، المناضل المقيم خارج الوطن ورئيس تحرير موقع أخبار ليبيا، أن يقوم هو بنشرها في مدونةٍ بالعربية. وكان الأستاذ عاشور كريماً في مجهوده بإنشاء مدوّنة “يوميات هرمنا” وفي تقديمه لها، وله منّي خالص التقدير والامتنان. وانتقلت اليوميات اعتبارا من 22 سبتمبر إلى مدونة “يوميات هرمنا 17 فبراير” التي باشرت في نشرها بشكل مباشر.

المدونة في بدايتها بهذا الشكل خاطبت الليبيين خارج الوطن، وكانت في توقعاتي ـــــــ والتي تظهر من اليوميات نفسها ــــــ أنها ستستمر لأيام أو بضعة أسابيع، حيث تصل إلى خاتمتها يوم تنتصر الثورة. لم نتصوّر وقتها أن النصر سيتأخر حتى شهر أكتوبر، بعد مائتين وخمسة وأربعين يوماً كاملةً من انطلاقتها.

ثورة 17 فبراير كانت ثورة النبلاء من شباب شعبنا الصابر. وكانت حقاً ثورة التكبير، تجلّت آيةً من آيات الله سبحانه، بتدبيرٍ منه تعالى وتهيئةٍ مُحكمةٍ للأسباب ما كان لها أن تجتمع من صنع بشر. وتوالت أحداثها الجسام ومواكب شهدائها حتى اكتمل انتصارها يوم 20 أكتوبر، وبه كانت خاتمة “يوميات هرمنا”.

[1] الصورة لوكالة الأنباء الفرنسية AFP Getty.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *