يوميات سبتمبر 2011

الخميس 1 سبتمبر (197)

فرعون وجنوده

اختطف مسلحون تابعون للنظام طارق فتح الله بن حليم ليلة 21/22 مايو الماضي. وكنت قد وصفت ما حدث في يومية 22 مايو.

قضت أسرة طارق الأشهر الماضية تبحث عنه، واشتدّ بحثها بعد تحرّر طرابلس، من سجن إلى آخر.. إلى مزارع ومؤسسات تعليمية وغيرها من مواقع استعملها النظام معتقلات للّيبيين. قادهم البحث عشية هذا اليوم إلى مدينة الخمس. وهناك تم إبلاغهم بأن طارق قد قضى نحبه يوم 6 يونيه الماضي في واحدة من حاويات معدنية للبضائع. وضعوا الرجال في حاويات بضائع وأغلقوها عليهم…. قتلوهم خنقاً.

في تقرير لأمنستي إنترناشيونال بعد زيارتها للموقع في الخمس، أن عدد المعتقلين بحاويتين في الخمس كان 26 رجلا، مات منهم تسعة عشر. ثلاثة من الناجين رووا مأساتهم ومأساة رفاقهم؛ كيف تمّ تعذيبهم، كيف استغاثوا طلبا للهواء والماء، وكيف بدأت أصواتهم تخفت مع زحف الموت نحوهم فرداً فرداُ.. والأوغاد بالخارج يسمعون.

طارق واحد من عشرات آلاف المختطفين المفقودين، واستشهاده يضيف اسما آخر إلى آلاف الشهداء الذين قضوا قتلاً بالرصاص أو حرقاً أو خنقاً داخل الحاويات أو غرقاً في خزانات مياه الشرب (خزان سيدي السايح مثالاً)، أو بغير ذلك من وسائل القتل، تنوعت بشكل لم يعرف التاريخ له مثيلا.

فرعون موغل في الجريمة وحقيقته باتت واضحة لكل الليبيين، وهي أشدّ وضوحا لجنده منها لخصومه.

من هم جنود فرعون؟ أي نوع من مخلوقات الله هم؟ أيَّ دين يتبعون؟ هل هم من عبدة الشياطين؟ هل يعبدون شيئاً؟ ما هي مشكلتهم مع الليبيين حتى يفعلوا بهم ما يفعلون؟ المنفعة المادية وحدها غير كافية لتفسير سلوكهم وعظيم جرائمهم.

ولا يزال القذافي يهدد بـــ ’تحويل البلاد إلى جهنم‘ كما قال في بضاعته المذاعة اليوم. وهو يدرك تمام الإدراك أن نصيبه في حكم ليبيا من جديد لا يزيد عن نصيب إبليس من الجنة. لماذا كل هذا التغول؟ هل هو شرٌّ مطلق لا هدف من ورائه؟ ولتنفيذ وعيده هو معتمدٌ على جنوده.

الجهد منصبّ الآن على مطاردة الرأس، وذلك طبيعي وله صفة الاستعجال القصوى، ولكنه لا يكفي. أيادي فرعون أيضاً يجب أن تلقى جزاءها، ويُبعد عن العباد شرّها، تماما كما غرق فرعون ومعه جنوده. من دون ذلك لن يتمكن الليبيون من تضميد جراحهم وبناء ما تهدّم من بنيانهم.    

لن تُطوى هذه الصفحة السوداء من تاريخنا وفرعون وجنوده طلقاء.

رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا. 

الجمعة 2 سبتمبر (198)

إعداد للعودة

اختلفت التقويمات التي سمعتها عن الوضع الأمني على الطريق إلى طرابلس، ولكن الأرجح أنها آمنة إلى حد كبير. سافرت من بنزرت إلى العاصمة تونس للبحث عن سيارة أجرة ليبية تأخذني وأسرتي في رحلة العودة إلى طرابلس. توجهت إلى المحطة المعروفة لليبيين باسم ’الخربة‘ بوسط المدينة. المحطة في العادة مزدحمة بسيارات الأجرة اللبيبية والمسافرين الليبيين، أما اليوم فلم أجد غير سيارتين. تقدمت من إحداهما فكان سائقها كالمتحفز لصيد. لم أكن لأرافقه مع أسرتي بغض النظر عن الأجر الذي كان سيطلبه، غير أني سألته للعلم بالشيئ، فطلب ألفيْ دينار!

الظروف الاستثائية مرتع خصب للانتهازيين، منهم من لم يتورع عن الاتجار في السلاح، ومنهم من غالى في رفع أسعار السلع الأساسية بما لا يتناسب إطلاقا مع أي تغير في التكلفة أو سعر الصرف. لا شعور لدى هؤلاء بالمسؤولية تجاه بلاد أو إخوة لهم، وهم حالة ملازمة لأجواء الحروب والاضطرابات. نفس هذا الوصف ينطبق على انتهازيين من صنف آخر لا يتورعون عن فعل شيء يصلون به إلى مواقع أمامية في العهد الجديد… وإن كان بعضهم من ’القدماء‘ يسعون لأن يكونوا من المخضرمين.

وصرفت النظر عن التعامل مع المستغلين في سوق ’الخربة‘ هذه.

السبت 3 سبتمبر (199)

رحلة العودة

اتفقت مع سائق تونسي عرض أن يؤمّن رحلتي إلى طرابلس على مرحلتين الأولى بسيارته حتى راس اجدير، والثانية من هناك إلى طرابلس في سيارة أجرة ليبية يؤمنها هو بمعرفته. ولكنه تراجع مساء، فـــ ’الظروف الأمنية‘ لا تسمح له بعبور الحدود! اتفقت معه في النهاية على أن ينقلني معه إلى بن قردان، حيث أنتقل إلى سيارة ليبية أتفق مع سائقها مباشرة. وهذا ما كان، بتكلفة تقل عن نصف الأجر الذي طلبه صاحبنا بـــ ’ الخربة‘ يوم أمس. وغادرنا بنزرت في رحلة العودة إلى طرابلس العهد الجديد عند التاسعة مساء، ما يجعل رحلة السفر داخل ليبيا في ساعات النهار.

الأحد 4 سبتمبر (200)

إلى طرابلس

وصلنا إلى راس اجدير عند الساعة 6.30 صباحا. لم تكن أمامنا غير سيارتين اثنتين تقلان عائلتين ليبيتين. إجراءات الدخول كانت سريعة ومن دون تعقيد أو تحرٍّ. الشباب المسلحون كانوا في غاية التهذيب وحسن الاستقبال… ومع ابتسامات عريضة لم نكن نراها في الوجوه طيلة تلك السنوات البائسة. إلا أن بعض المسلحين الذين بدأنا نقابلهم في النقاط الأمنية كانوا صغار سنٍّ إلى درجة اثارت شيئا من عدم الاطمئنان.

المثير للانتباه كان عدد السيارات المتوجهة إلى تونس. كانت الطريق إلى تونس مزدحمة جدا. شرح السائق أن الأمر يعود إلى صعوبة المعيشة في طرابلس وارتفاع الأسعار فيها! .. كيلو الطماطم 5 دينار.. اللحم 24 دينار.. أسطوانة الغاز 350 دينار.. كما قال. أشك في أن يكون ذلك هو السبب.

لقد طغى شعور الفخر بالشباب الثائر والفرحة بالتخلص من ذلك النظام العابث الفاسد على كل ما عداه. والليبيون الذين اقتلعوا حكم القذافي سينجحون بعون الله في بناء وطن العزة والكرامة.

شعرت بالأمان في كل تجوالي بالمدينة. وفي المساء كان هناك جوٌٍّ احتفالي عارم، مع ازدحام شديد لحركة السيارات في الشوارع الرئيسية المؤدية إلى وسط المدينة.

طوابير السيارات لا تزال طويلة في انتظار دورها للتعبئة بالبنزين، ولكن الملفت حقا كان الهدوء والانضباط داخل المحطات نفسها، مكان الهرج والشجار وإطلاق الرصاص التي كانت تمثل مشهدا معتادا بالمحطات قبل مغادرتي للمدينة… غاب رجال الكتائب وأمن النظام… غاب النظام نفسه، فتغير الكثير.

الفرحة عارمة من جهة، والحزن والغضب أيضا من جهة أخرى، على من استشهدوا وعُذّبوا على يد أجهزة النظام. سمعت تفاصيل تقشعر لها الأبدان تصف ما تعرض له المعتقلون من تعذيب وتقتيل. وهنا أعود إلى شهداء الحاويات في معسكر عمالٍ صينيين بالخمس. أحد الناجين روى كيف أن الحراس كانوا يردون على استغاثات المحبوسين داخل الحاويات بوصفهم بـــ ’الجرذان‘، وكيف استمروا في الامتناع عن إغاثة المستغيثين وهم يتساقطون موتى خنقاً الواحد تلو الآخر. كان قد مات منهم تسعة عشر عندما وصل آمر مجموعة الحرس الذي كان قد أعطى التعليمات بعدم فتح الحاويات قبل عودته… عاد بعد ثلاتة أيام ليجد نفسه أمام تسعة عشر شهيدا. يقول المعتقل الناجي أن ذلك الضابط دخل غرفته في تلك الليلة ليجودوه في اليوم التالي وقد مات مخمورا.. عُلم بعد ذلك أنه قد أصيب بانفجار في الدماغ… مخموراً. هكذا هي نهاية الظّلَمة.

ولا يزال آلاف المعتقلين غائبين.

الإثنين 5 سبتمبر (201)

بيت الجريمة

وزرت باب العزيزية. كان المعسكر يغص بالليبيين رجالا ونساء وأطفالا، رغم توجهي إليه وقت الظهيرة. توقفت أمام المنزل الذي استهدفه القصف الأمريكي سنة 1986. لم يكن المنزل المسمى ببيت الصمود مركز اهتمامي بل المنصة المقامة أمامه، والتي كانت وجهة رجال ونساء في سهرات أقيمت تلبية لأمر قائدهم “افرحوا وارقصوا وغنوا”، فجاؤوا إلى حيث ’استمتعوا‘ في سهرات توالت لأسابيع طويلة. هنا أقيم مشهد يومي عابث فاسد كان جزءاً من آلة التضليل والكذب والتزييف التي استهدفت الليبيين والخارج، وحققت قدرا من النجاح لا يُنكر، مصحوباً بقدر كبير من الإحباط والعذاب النفسي.

دخلت أطلال المبنى التي أرادها القذافي متحفا شاهدا على بطولاته وصموده، ومن أعلى سطحه ظهرت أمامي مساحة كبيرة متفحمة… آثار خيمته…. الله أكبر. 

وعلى بعد خطوات من ’بيت الصمود‘ شاهدت أشخاصا اصطفوا لينزلوا تحت واحدا تلو الآخر. اقتربت لآخذ دوري. باب ’الحفرة‘ لا يزيد عن متر مربع، وقد كتب أحدهم عليه “هنا الجرذ‘. السلم الحديدي يؤدي إلى ممر طويل مظلم، يتفرع ويؤدى إلى مساحات لم أستطع أن أتبيّن ما كان بها، فالإضاءة كانت محدودة جدا مقتصرةً على مصباح يعمل بالبطارية كان يحمله أحدهم أمامي. جماعات من الشباب خلقوا جواً احتفاليا غنائيا: زنقه زنقه دار دار.. شفشوفة معليشي…

وصعدت في نهاية أحد الممرات لأجد نفسي داخل منزل قد أضرمت النار في جوانبه ونُهب ما فيه. مرة أخرى، المكان مظلم، ولا يبدو أن للشمس منفذاً إليه. الظلام وما تحت الأرض، وللزائر أن يسأل من هم الجرذان؟

وفي ركن آخر ـــ فوق الأرض هذه المرة ـــــ ملهىً للأطفال تبرز فيه لعبة الفناجين الدوّارة. مشاهد سيريالية حيثما تلتفت في هذا المجمع الذي كان بمثابة القلب النابض للجريمة الكبرى.

الثلاثاء 6 سبتمبر (202)

جداريات وسرقات

عدت لزيارة باب العزيزية… أردت أن أوجّه انتباهي في هذا اليوم إلى الجداريات. كتب أحدهم على أحد بواباته “حديقة الحيوانات سابقاً” وعلى جدار المدخل الرئيسي قرأت “القذافي طفل لم تربّه أمه”. أكثر الكتابات الجدارية كانت تحمل أسماء شهداء وكتائب للثوار، وكان هناك قدر ضئيل جدا من الرسوم، على عكس ما شاهدته على جدران شوارع بنغازي، وما قرأت عن مدن جبل نفوسه في الصحافة الأجنبية. والمثير للحزن حقيقةً كانت التركيبات اللغوية والإملاء والخط التي تشهد على مستوى التعليم المتدني الذي أوصلنا إليه ذلك العهد.

ووجدت نفسي أمام آثار مبنى تحت الأرض، كان قد قصف قصفا شديداً. حصانة المبنى التي تظهر من سمك خرسانته ومقاس حديد تسليحه كانت تشي بأهميته. نزلت مع آخرين بصعوبة شديدة. واتضح، رغم الدمار وسرقة الكثير من المحتويات التي كانت مستمرة حتى اليوم، أنه كان مركزا للاتصالات والإذاعة.

وفي مبان أخرى وجدت مولدات الطاقة الكهربائية ومعدات التكييف المركزي. في أحد الجوانب وجدت أمامي خمسة رجال منهمكين في فكّ بعض المعدات مستخدمين أدوات ورش أحضروها معهم… استداروا حتى لا أتعرف عليهم من وجوههم. تمنيت أن يقوم الثوار بحراسة كل هذه المنشئات ومحتوياتها. ما جرى ويجري في هذه المواقع جرائم سرقة… لا أقل.

الأربعاء 7 سبتمبر (203)

رأس الجريمة… وأدواتها أيضاً

مجالس المدينة مشغولة في جزء من أحاديثها بأخبار القتلى والمفقودين. القتلى بعشرات الآلاف، وكذلك المفقودون. جثث بحاويات في جامعة طرابلس… جثث ملقاة في مكبٍّ للقمامة بطريق 11 يونيه… جثث ملقاة في مستشفى الحوادث… جثث محروقة بأحد المعسكرات… تقارير موثقة عن حالات اغتصاب ممنهج.. غرفة نوم وحمام وتجهيزات طبية نسائية تحت المدرج الأخضر بجامعة طرابلس! وغير ذلك كثير جدا مما تقشعر له الأبدان وتعجز الأقلام عن وصف أهواله. 

واللوم واللعنات بطبيعة الحال موجّهة للنظام الإجرامي البائد ولرأسه تحديداً. ولكن هناك أيضا سؤال يجري تداوله: من يكون أولئك الذين قاموا بكل جرائم التعذيب والقتل والاغتصاب والسرقة تلك؟

معمر القذافي أخرج إلى السطح أسوأ ما في الليبيين ورعاه ونمّاه وخلق منه وحشاً عاث في البلاد فساداً… نعم. ونهب معمر القذافي ثروة البلاد وأنفق منها بلا حدود على شراء الذمم والسلاح والمعدات ’الأمنية‘ والدعم والحماية من دول ـــــــ انقلبت عليه عندما نهض الليبيون في ثورتهم المجيدة. ولكن من كان أولئك الذين نفذوا بأيديهم كل تلك الجرائم؟ لا مجال للتظاهر بأنهم من المرتزقة. مرتكبو تلك الجرائم جلّهم ليبيون وإن جاز وصفهم بالمرتزقة، وإن كان بينهم غيرُ ليبيين.

لم تقم الثورة للإطاحة بمعمر القذافي في شخصه، بل في شخصه ونظامه ومنظومة القيَم والسلوك والعلاقات التي حكم بها ليبيا طيلة عهده. وذلك لن يحدث بمجرد الإطاحة بمعمر القذافي و’نجوم‘ نظامه. تحقيق تلك الغاية سيحتاج إلى ما هو أكثر بكثير، ومن ذلك أن تصل يد الثورة إلى أدوات النظام المنفّذة لجرائمه.

لا يكفي لوم نظام القذافي وحسب. إقامة العدل وطمأنة المواطنين يتطلبان أن يتم الكشف عن مرتكبي جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والسرقة والاعتداء بأي شكل كان على حرمة المواطن في نفسه أو بدنه أو عرضه، ومحاسبتهم والاقتصاص منهم. ذلك حقٌّ لكل مظلوم ومعذَّبٍ ومعتدىً عليه ولذوي كل شهيد. وستكون فيه عبرة لرجال الأمن في العهد الجديد. 

الخميس 8 سبتمبر (204)

الفراغ

الحياة في طرابلس تعود إلى طبيعتها بسرعة كبيرة. استتبّ الأمن إلى درجة كبيرة وعاد الماء إلى شبكة المدينة وانتظمت الكهرباء وخفّت طوابير محطات البنزين والمحلات التجارية المفتوحة في تزايد. إلا أن هناك فراغا ينبغي أن يتم التعامل مه بسرعة. إنه فراغ غياب “الحكومة”، فالمكتب التنفيذي في حقيقته “حكومة تصريف أعمال‘ والحكومة الانتقالية تحت التشكيل منذ أسابيع.

وهناك فراغ إعلامي ناتج عن غياب قنوات إعلامية تتواصل مع الناس في أمور الشأن العام بدرجة أكبر من العمق. المحطات المسموعة تكتفي في غالب وقتها بإذاعة الأغاني الوطنية أو التحادث مع المستمعين عبر الهاتف. النشرات الإخبارية والبرامج التحليلية والتوعوية تشغل حيّزا ضئيلا من وقتها. قناة ليبيا الأحرار تمثّل استثناءً، وإن كنت أتمنى أن تتمكن من تطوير برامجها بسرعة أكبر. وبالمناسبة، لا أدري هل “ليبيا الأحرار” قناة خاصة أم تابعة لــ “شبكة راديو وتلفزيون ليبيا”.

“شبكة راديو وتلفزيون ليبيا” تعلن عن قرب بدء بث قناة “ليبيا تي في”. لماذا هذه التسميات غير المستساغة والدخيلة على لغتنا، والتي لا تمليها الضرورة ؟ هذه المفردات لها ما يقابلها في لغتنا العربية، أو حتى في الأمازيغية، فهي لغة ليبية أقرب إلينا من غيرها. لا تدَعوا إعلامنا يدير الظهر إلى هويتنا.

الجمعة 9 سبتمبر (205)

العدالة العاجلة

“للأقلية الخارجة عن القانون، للمجرمين الذين أخذوا ما استطاعوا أن يضعوا عليه أيديهم، أقول: إننا سنقتفي آثاركم.. سنجدكم.. سنوجه التهم إليكم.. وسنعاقبكم. ستدفعون ثمن أفعالكم”.

الكلام هنا كان لديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، والجرائم كانت تلك الناتجة عن أعمال الشغب والتخريب والسرقة التي حدثت في لندن وغيرها من المدن البريطانية خلال الأسبوع الأول من الشهر الماضي.

وتحركت الجهات القضائية بسرعة، حتى أن المحاكم استمرت في انعقادها على مدى أيام وحتى ساعات الصباح الأولى. إنها العدالة العاجلة. خلال أيام كانت صحائف الدعوى قد أُعدّت، ومثُل أمام المحاكم 1300 شخصا خلال أسبوعين من ارتكاب الجرائم.

التعجيل في إنزال العقوبات المقررة قانونا بينما صور الجريمة لدى الجمهور لا تزال حية له أهمية غير خافية. التعجيل يظهر بقوة أن أجهزة تطبيق القانون قادرة وجادة، وتُعطي أصحاب الحق حقهم من دون تأخير قد يؤدي إلى ضرر إضافي، ويُدخل الطمأنينة إلى نفوس المتضررين وعموم المواطنين.

مثالان عن الجرائم المعنية في خطاب كاميرون أمام البرلمان والعقوبات التي أقرتها المحاكم:

نيكولاس روبنسون: سرقة صندوق من زجاجات الماء ـــــ العقوبة 6 أشهر،

توماس داوني: سرقة كيكات ـــــ العقوبة سنة وأربعة أشهر.

هكذا تعاملوا مع جرائم الشغب وإتلاف الممتلكات والسرقة. وماذا نحن فاعلون في جرائم القتل والتعذيب تحت الاعتقال بأبشع الصور؟

جريمة حاويات الخمس مثالاً:

في الليلة الماضية دُعي ذوو الشهيد طارق فتح الله بن حليم إلى مستشفى طرابلس المركزي علهم يتعرفون على جثمان طارق، وهو الذي استشهد يوم 6 يونيه الماضي. وتعرف عليه ذووه وصديق له وأحد الناجين من حاويات الخُمس بثيابه. وغدا، إذا ما تمت الإجراءات سيتم دفن رفاته. اتضح أن الأمر قد صدر بنقل جثامين شهداء حاويات الخمس إلى العربان بجبل نفوسه وحرقها هناك. إلا أن المكلفين بتنفيذ الأمر خالفوا الأمر بإحراق الجثامين ودفنوها بدلاً من ذلك. وشاهدنا بقناة الجزيرة هذا المساء مقطعا مصورا للتعذيب داخل إحدى الحاويات، وأحد الناجين من رفاق طارق يتابع وصف ما حدث. البحث أدى إلى التعرف على هوية بعض المجرمين الذين تم بأيديهم التعذيب والقتل خنقا والأمر بالإحراق. المعلومات تفيد أن أحدهم قد هرب من البلاد، إلى تونس ربما.

رأينا عدالتهم في التعامل مع جرائم الشغب وإتلاف الممتلكات والسرقة (سرقة صندوق من زجاجات الماء مثلا). متى نرى العدالة تأخذ مسارها في الجرائم الكبرى المرتكبة بحق الليبيين، والتي ستظل محفورة في الذاكرة على مدى تاريخ ليبيا. متى نرى كل أولئك المجرمين الذين سيصل عددهم إلى المئات وربما الآلاف ماثلين أمام القضاء؟ إلى متى سينتظر الليبيون ــ كل الليبيين وليس فقط ذوو الشهداء ــ العدالة أن تأخذ مجراها؟ كل تأخير في مسار العدالة سيزيد من احتمالات أن يمسك المواطنون القانون بأيديهم، مطلقين عمليات قصاص وانتقام وفوضى تطال الأبرياء وتهدد السلم الأهلى بعد محنة المواجهة مع نظام دموي امتدت إلى ما يزيد عن ستة أشهر. 

الأحد 11 سبتمبر (207)

الكتائب مرت من هنا

شاهدت اليوم آثارهم بمجمع سكني في طرابلس, كانوا قد اقتحموا المكان مطلقين للرصاص من دون أن يكونوا في مواجهة لأي مقاومة من حراس مدنيين غير مسلحين، وأقاموا، ثم رحلوا على عجالة تاركين وراءهم ملابسهم العسكرية ملقاةً على الأرض، وملابس نسائية، وبقايا ما قد يكون مواد مخدرة. وسُرق كل ما يمكن حمله من أثاث ومواد كهربائية وإلكترونية. الحراس يعتقدون أن السرقات قد يكون شارك فيها مواطنون مدنيون.

الإثنين 12 سبتمبر (208)

ويستمرّ البحث

تمّ بعد ظهر اليوم دفن رفات الشهيد طارق فتح الله بن حليم. مرّوا بالجثمان على منزله، ثم استمر الموكب الجنائزي إلى المسجد ومنه إلى مقبرة سيدي حامد. ودّعت الحاجّة جميلة ابنها بعد عذاب استمرّ أكثر من ثلاثة أشهر من البحث ثمّ الترقب لخروجه من السجون بعد تحرير طرابلس، وأخيرا البحث عن رفاته حتى عُثر عليها في العربان بالجبل. وفي نهاية الشارع خرجت مرأة مسنة بردائها التقليدي تبكي طارق وتصرخ بالدعاء لله تعالى أن ’ياخذ الحق‘.

في المساء ترددت أنباء عن اكتشاف مقبرة جماعية في سيدي بلال، حيث تم العثور على جثامين عدد غير معروف من الشهداء. ولا تزال آلاف الأسر الليبية في انتظار أنباء عن الغائبين من أبنائها.

الثلاثاء 13 سبتمبر (209)

بدء الشقاق

المجلس الوطني الانتقالي كان عنوان الثورة ورمزها منذ انطلاقتها، ومحطّ توافق الليبيين، رغم تعدد توجهاتهم والغايات التي يسعون أفراداً أو جماعات لتحقيقها. كان إنجازا كبيرا أن شكّل الليبيون مجلسا يعبر عن أهداف ثورتهم، ويحاور العالم لنصرتها، ويعدّ لإنشاء الدولة العصرية الديموقراطية الجديدة.

التحرير لم يكتمل بعد، ورؤوس النظام المخلوع لا يزالون طلقاء مدججين بالسلاح وبما نهبوه وحافظوا عليه لأنفسهم من أموال الليبيين. يقينا، لا تزال للنظام المخلوع فلول وخلايا نسمع ببعض نشاطاتها البائسة من آن لآخر، وبني وليد وسرت والجفرة وسبها باقية تحت قبضة الكتائب.

ورغم ذلك بدأ تدافع محموم نحو السلطة. نسمع تصريحات عنيفة ضد المجلس ولجنته التنفيذية تُطلق هذه الأيام. المفارقة تكمن في أن مطلقيها يؤسسون هجومهم ــــ في جزء منه ــــ على أن المجلس واللجنة التنفيذية لا يحظيان بإجماع الليبيين. الإجماع بدايةً أمر مستحيل المنال لأيٍّ كان، وأزعم أن المتهجمين لا يتمتعون ولو بجزء ضئيل من ذلك ’الإجماع‘ الذي يحظى به المجلس.

نعم، لا تشكيلة المجلس ولا لجنته التنفيذية كانت مثالية، وكانت لهما أخطاء يجب تصحيحها.

ولكن النقد بغرض التصحيح أو التحسين، والمبنيّ على قاعدة من النية الحسنة، شيء، والهجوم بغرض الهدم شيء آخر… خاصة إذا ما سانده سلاح.

ليس هذا وقت الشقاق، وكل من يطمح للعب دور في قيادة وإدارة المرحلة المقبلة أو المشاركة فيها عليه أن يعدّ نفسه لصناديق الاقتراع حين يأتي أوانها. أما الدول التي تدفع أو تغذي هذه الجهة أوتلك، فعلى الأجنبية منها أن تكف عن التدخل في الشأن الليبي الداخلي، وعلى الدول الشقيقة أن تتقي الله في شعبنا… مع اعترافنا بالجميل.

الأربعاء 14 سبتمبر (210)

خطر الانتقام والتعصب

نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً قررت فيه وقوع جرائم ضد الإنسانية من طرف النظام المخلوع وانتهاكات لحقوق الإنسان من طرف الثوار. يجيء هذا التقرير بعد عدد من التقارير الصحفية التي نشرت في الآونة الأخيرة حول التجاوزات التي ارتُكبت في حق أفارقة وليبيين من سكان تاورغاء تحديدا.

سيذكر التاريخ لعهد القذافي جرائم كبرى مثل مذبحة بوسليم وإسقاط الطائرات والشنق في الجامعات، وسيسجّل له سياسة قمعية كان من أدواتها العقوبات الجماعية والمحاكم الاستثنائية ــ متى وجد حاجةً إلى محاكمة ــ وهدم المنازل ونبش القبور، وغيرها من ممارسات منافية لمبادئ القانون وشريعتنا السمحة وللفطرة السوية.

من واجبنا نحن الليبيين أن نحافظ للثورة على نبلها وأخلاقها، وألا نسمح لروح الانتقام أو التعصّب لقبيلة أو مدينة أو جهة أن تشوّهها، وتُفقدها احترام العالم، وتدفع بالبلاد نحو مجهول قد لا تحمد عقباه.

الخميس 15 سبتمبر (211)

أول الضيوف ’صليبيون‘

كانت المساندة العسكرية النشطة من حلف الأطلسي عاملا حاسما في نجاح النضال الملحمي الذي خاضه ثوار ليبيا على مدى أكثر من ستة أشهر. لم تقتصر تلك المساندة على ضربات جوية فرضت نفسها على السمع والبصر، فقد تجاوزتها في الميدان العسكري نفسه وإلى ميادين السياسة والدبلوماسية والاقتصاد. كان تدخل هذه الدول حاسماً ليس فقط لنجاح الثورة ولكن أيضا في إنقاذ مدينة بنغازي وما وراءها من هلاك محقق. نحن إذن مدينون لتلك الدول لتدخلها الذي كان له وجهه الإنساني الناصع علاوة على مضمونه التاريخي الفاصل. وكان في موقع القيادة دولتان هما فرنسا وبريطانيا.

لذلك كان طبيعيا أن يحظى ساركوزي وكاميرون بالاستقبال الشعبي الحار الذي حظيا به في زيارتهما لليبيا هذا اليوم. وكان الزعيمان كريمين في التعبير عن إكبارهما لثورة ليبيا وثوارها. خاطب كاميرون الليبيين في ميدان الحرية في بنغازي قائلاً: “القذافي قال إنه سيطاردكم كالجرذان، فرددتم عليه بشجاعة الأسود”.

ولا يزال كثير من العروبيين ــ واليساريين ــ ناقدين غيرَ راضين. منهم من يصف الثوار بالتبعية ويسميهم “ثوار الناتو”. أولئك قوم ينظرون إلى الأحداث دون اهتمام بمقدماتٍ أو أسباب أو سياق تاريخي أو اعتبار إنساني في أبسط مفاهيمه. في تبسيط شديد نرى اختياراتهم تنتقل ما بين أبيض وأسود في غياب شديد لما بينهما من درجات أو خارجهما من ألوان. هو استقلال أو استعمار، ولا محلّ لحرية المواطن وكرامته أو حتى حياته في حساباتهم. لم يكتفوا بسلبية مواقفهم ومواقف العالميْن العربي والإسلامي ــــ باستثناءات معروفة ـــ تجاه ما وقع تحته الليبيون من ظلم ومهانة من نظام فاجر قلّ مثيله. كانوا على استعداد للوقوف متفرجين على مذبحة كبرى محققة. هل يفضّل أولئك لو وقعت المذبحة بدلاً من النجاة منها على يد ’الحملة الاستعمارية الصليبية’؟ لم يكن هناك بديل ثالث، فأنظمة العرب عاجزة وعروبيوهم في آذانهم وقرٌ وعلى أعينهم غشاوة.  

الجمعة 16 سبتمبر (212)

حملة انتخابية قبل الأوان؟

تفاعلات تصريحات الشيخ علي الصلابي ضد المكتب التنفيذي ــــ زاعما التحدث باسم الليبيين ــــ  مستمرة، فتجاوزت تلك التفاعلات الكتابة على مواقع الإنترنت إلى التعبير عنها في الشارع. كانت الحشود كبيرة بساحة الشهداء اليوم، وكانت الأصوات الرافضة لتلك التصريحات مرتفعة. ليس هذا أوان تنافس على سلطة، مع كل الاحترام للشيخ وما يعبر عنه من آراء شخصية او آراء فريق من الليبيين، فالحملات الانتخابية لم يحن وقتها بعد.

التنافس نحو مواقع السلطة، تنفيذية كانت أو تشريعية، مكانه مراكز الاقتراع. وإذا كانت هذه التصريحات مثالا لما ستكون عليه الحملات  الانتخابية المقبلة فهي مؤشر لا يدعو إلى التفاؤل. هل ستكون الحملات الانتخابية سلبيةً، همّها النيل من الطرف المقابل؟

تمرّ بلادنا بلحظات حرجة، فالتحرير لم يكتمل بعد، ودماء الثوار لا تزال تسيل حتى هذا اليوم ــــ في سرت وبني وليد، وخلايا النظام البائد متربصة. ليس هذا وقت التناحر والشقاق داخل معسكر الثورة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *